والوجه الآخر: أن الله تعالى قد هدى كل قابل للإيمان بمثل هداية الرسل في الدعوة والإرشاد والتزين والترغيب والترهيب، فصارت هذه الهداية مشتركة ومضافة إلى الله تعالى وإلى أوليائه، ومعنى الاشتراك فيها أن المضاف إلى الله سبحانه منها كالمضاف إلى رسوله وأوليائه، والضرب الأوّل هو الذي انفرد الله تعالى به، ولم يضفه إلى أحد من خلقه، وهو الذي عناه بقوله: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ} [الأنعام: 125] ، وقوله: {أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ} [المجادلة: 22] ، وقوله: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] ، فلم يضف من ذلك شيئا إلى رسله ولا إلى أحد من خلقه، فبان بهذا أنّه لا تناقض في إضافات الهداية مرة إلى الله سبحانه، ومرة إلى رسوله، ومرة إلى المؤمنين والملائكة إذا نزّلت بحسب ما بيّناه ورتّبناه.
فأمّا إضافته الإضلال مرّة أخرى إلى نفسه تعالى ومرّة إلى الشياطين ومرّة إلى المجرمين ومرّة إلى السامريّ وإلى فرعون وغيره من الكفّار، فإنّه لا تناقض أيضا في ذلك ولا تنافي، وذلك أن الإضلال الذي أضافه الله إلى نفسه هو الذي لا يدخل تحت قدرة أحد من خلقه من جميع الفراعنة والشياطين والمجرمين، وهو الطبع على القلوب، وجعل الأكنّة عليها والختم والإعماء،
وما ذكره من المد في الطغيان والوقر في الآذان، وتقليب الأفئدة والأبصار، والحول بين المرء وقلبه وتضييق صدره وما يعقبه من النّفاق في قلوب أعدائه الأشرار، وكلّ هذا ممّا ينفرد الله بالقدرة عليه، وكذلك خلق نفس الكفر والإضلال والإقدار عليه والتمكين منه، مما ليس لكافر ولا لشيطان مارد سلطان ولا قدرة على خلقه في القلوب فما أضاف الله تعالى شيئا من ذلك إلى أحد من خلقه بل قال: «ختمنا» و «طبعنا» و «جعلنا على أبصارهم غشاوة» ، «نقلب أفئدتهم وأبصارهم» ، و «أعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه» ، و «جعلنا من بين أيديهم سدّا ومن خلفهم سدّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون» ، فلم يضف تعالى شيئا من ذلك إلى أحد من الشياطين أو المجرمين أو فرعون أو السامري، إذ ما كان ذلك من صفاتهم ولا مما يدخل تحت قدرهم.