فزل لسانه بالكلمة ، فدخل الحمار ، والشيطان . فقال له: نوح صلى الله عليه وسلم: ما أدخلك عليَّ يا عدوَّ الله ؟ قال: ألم تقل ادخل ، وإن كان الشيطان معك . قال: اخرج عني يا عدو الله . قال: مالَكَ بُدٌّ من أن تحملني ، فكان إبليس في ظهر الفلك . فكان بين إرسال الله عز وجل ، الماء ، وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يوماً بلياليها ، ودخل فيها لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر ، فلما دخل من كان معه/ (انفتحت أبواب السماء بماء منهمر) ، كما قال الله ، وكانت السفينة مُسْمَرَّة بدُسُرٍ . والدُّسُر: مسامير الحديد ، وقيل: مسامير من عود ، بها يسمر اليوم مراكبهم أهل الحجاز ، وأهل الهند ، وما يلي ذلك . فلما جرت السفينة ، قال نوح لابنه: {اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين} [هود: 42]
وكان قد أضمر الكفر ، وظن أن الجبال تمنع من الماء ، فقال: {سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المآء} [هود: 43] : أي: يمنعني ، فقال له نوح: {لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله} [هود: 43] . فعلا الماء على الجبال خمسين ذراعاً . فهلك كل ما كات على وجه الأرض من الحيوان والأشجار ولم يبق إلا ما في السفينة . وكان بين أن أرسل الله الطوفان ، وبين أن غاض الماء ستة أشهر ، وعشر ليال.
قال عكرمة:"ركب في السفينة لعشر خَلَوْن من رجب ، {واستوت عَلَى الجودي} [هود: 44] لعشر خَلَون من المحرم . فذلك ستة أشهر".
ومعنى: {وَفَارَ التنور} : قيل: إنه انفجر الماء من وجه الأرض . التنور: وجه الأرض قاله ابن عباس ، وعكرمة.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو تنوير الصبح ، من قولهم: نور الصبح يُنَور ، فكأنه قال: حتى جاء أمرنا ، وطلع الفجر.
وقال قتادة: التنور أعلى الأرض ، وأشرافها .
وقال الحسن: التنور هو الذي يخبز فيه ، كان من حجارة لِحَوَّاء . ثم صار إلى نوح ، فقيل له: إذ رأيت الناء يفور من التنور ، فاركب أنت وأصحابك.