وحكي أنه لما كثر الماء في السّكك خشيت أمّ صبيّ عليه ؛ وكانت تحبه حباً شديداً ، فخرجت به إلى الجبل ، حتى بلغت ثلثه ، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه ، فلما بلغها الماء استوت على الجبل ؛ فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء ؛ فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أمّ الصبي.
قوله تعالى: {واستوت عَلَى الجودي وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين} أي هلاكاً لهم.
الجُوديّ جبل بقرب الْمَوْصل ؛ استوت عليه في العاشر من المحرّم يوم عاشوراء ؛ فصامه نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه ، شكراً لله تعالى ؛ وقد تقدّم هذا المعنى.
وقيل: كان ذلك يوم الجمعة.
وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت ، وبقي الجُوديّ لم يتطاول تواضعاً لله ، فاستوت السّفينة عليه: وبقيت عليه أعوادها.
وفي الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة".
وقال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها الغرق ؛ فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعاً ، وتطامن الجوديّ ، وتواضع لأمر الله تعالى فلم يغرق ، ورست السفينة عليه.
وقد قيل: إن الجوديّ اسم لكل جبل ؛ ومنه قول زيد بن عمرو بن نُفَيل:
سُبحانه ثُمّ سُبحاناً يَعودُ لَه ...
وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُوديُّ والجَمَدُ
ويقال: إن الجُوديّ من جبال الجنة ؛ فلهذا استوت عليه.
ويقال: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر: الجوديّ بنوح ، وطورسيناء بموسى ، وحِراء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
مسألة: لما تواضع الجوديّ وخضع عزَّ ، ولما ارتفع غيره واستعلى ذَلّ ، وهذه سُنّة الله في خلقه ، يرفع من تخشّع ، ويضع من ترفّع ؛ ولقد أحسن القائل:
وإذا تذلّلتِ الرّقابُ تَخشُّعاً ...
مِنّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها