وأخذه الزمخشري من الزجاج ، قال الزجاج: أجمع النحويون البصريون على أنه لا يجوز إسكان حركة الإعراب إلا في ضرورة الشعر ، فأما ما روي عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه القراء ، وروى عنه سيبويه أنه كان يخف الحركة ويختلسها ، وهذا هو الحق.
وإنما يجوز الإسكان في الشعر نحو قول امرئ القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب ...
والزمخشري على عادته في تجهيل القراء وهم أجل من أن يلتبس عليهم الاختلاس بالسكون ، وقد حكى الكسائي والفراء أنلزمكموها بإسكان الميم الأولى تخفيفاً.
قال النحاس: ويجوز على قول يونس أنلزمكمها ، كما تقول: أنلزمكم ذلك ويريد إلزام جبر بالقتل ونحوه ، وأما إلزام الإيجاب فهو حاصل ، وقال النحاس: أنوحيها عليكم ، وقوله في ذلك خطأ.
قال ابن عطية: وفي قراءة أبيّ بن كعب أنلزمكموها من شطر أنفسنا ، ومعناه من تلقاء أنفسنا.
وروي عن ابن عباس أنه قرأ ذلك من شطر قلوبنا انتهى.
ومعنى شطر نحو ، وهذا على جهة التفسير لا على أنه قرآن لمخالفته سواد المصحف.
{وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}
تلطف نوح عليه السلام بندائه بقوله: ويا قوم ، استدراجاً لهم في قبول كلامه ، كما تلطف إبراهيم عليه السلام بقوله"يا أبت يا أبت"وكما تلطف مؤمن آل فرعون بقوله:"يا قوم يا قوم"والضمير في عليه عائد إلى الإنذار.
وإفراد الله بالعبادة المفهوم من قوله لهم: {إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله} وقيل: على الدين ، وقيل: على الدعاء إلى التوحيد ، وقيل: على تبليغ الرسالة.
وكلها أقوال متقاربة ، والمعنى: إنكم وهؤلاء الذين اتبعونا سواء في أنّ أدعوكم إلى الله ، وإني لا أبتغي عما ألقيه إليكم من شرائع الله مالاً ، فلا يتفاوت حالكم وحالهم.