احتج قوم بهذه الآية على صدور الذنب من الأنبياء فقالوا: إن هذه الآية دلت على أن طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار من أصول المعاصي، ثم إن محمداً صلى الله عليه وسلم طرد فقراء المؤمنين لطلب مرضاة الكفار حتى عاتبه الله تعالى في قوله: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] وذلك يدل على إقدام محمد صلى الله عليه وسلم على الذنب.
والجواب: يحمل الطرد المذكور في هذه الآية على الطرد المطلق على سبيل التأبيد، والطرد المذكور في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم، على التقليل في أوقات معينة لرعاية المصالح.
المسألة الرابعة:
احتج الجبائي على أنه لا تجوز الشفاعة عند الله في دفع العقاب بقول نوح عليه السلام {مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ} معناه إن كان هذا الطرد محرماً فمن ذا الذي ينصرني من الله، أي من الذي يخلصني من عقابه ولو كانت الشفاعة جائزة لكانت في حق نوح عليه السلام أيضاً جائزة وحينئذ يبطل قوله: {مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله} واعلم أن هذا الاستدلال يشبه استدلالهم في هذه المسألة بقوله تعالى: {واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48، 123] إلى قوله: {وَلاَ هم يُنصَرُونَ} [البقرة: 48، 123] والجواب المذكور هناك هو الجواب عن هذا الكلام. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 17 صـ 170 - 171}