فأجابهم الله بقوله (ألا) أداة استفتاح داخلة على ليس في المعنى (يوم يأتيهم) أي العذاب (ليس مصروفاً) أي محبوساً (عنهم) بل واقع بهم لا محالة، ويوم منصوب بخبر (ليس) مقدماً عليه وهو دليل البصريين على جواز تقديم خبرها عليها إذ المعمول تابع للعامل فلا يقع إلا حيث يقع متبوعه وإلا يلزم تقديم الفرع على أصله.
ورد بأن الظرف يجوز فيه ما لا يجوز في غيره توسعاً، ويبنى الأمر فيه على التسامح فيه، وبأنه قد يقدم المعمول حيث لا مجال لتقدم العامل كما في قوله تعالى (فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر) فإن اليتيم والسائل مع كونهما منصوبين بالفعلين المجزومين قد تقدما على لا الناهية مع امتناع تقدم الفعلين عليها.
قال أبو حيان: وقد تتبعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر (ليس) عليها ولا بتقديم معموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية، وقول الشاعر:
فيأبى فما يزاد إلا لجاجة ... وكنت أبياً في الخنا لست أقدم
قلت وهذا الخلاف بينهم في تقديم الخبر على (ليس) لا على اسمها فإنه جائز بلا خلاف والكلام فيه وفي أدلته مفصل في كتب النحو.
(وحاق) أي أحاط (بهم ما كانوا به يستهزءون) أي العذاب الذي كانوا يستعجلونه استهزاء منهم، ووضع هذا مكان يستعجلون لأن استعجالهم كان استهزاء منهم، وعبر بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه فكأنه قد حاق بهم
(ولئن أذقنا الإنسان) أي الجنس فيشمل المؤمن والكافر، ويدل على ذلك الاستثناء الآتي، قيل المراد به جنس الكفار، ويؤيده أن اليأس والكفران والفرح والفخر هي أوصاف أهل الكفر لا أهل الإسلام في الغالب، وقيل المراد بالإنسان الوليد بن المغيرة، وقيل عبد الله بن أمية المخزومي (منا رحمة) أي نعمة من توفير الرزق والصحة والسلامة من المحن وسعة العيش والرخاء.