وقال في موضع آخر من كتابه العزيز: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) أي: من الدنيا (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ(20) .
ثم بيَّن في سورة الإسراء في قوله جل قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ
فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ
الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) .
ثم أعقب ذلك بقوله الحق: (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ
عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) . يعطي هؤلاء ما يشاء وهؤلاء ما يشاء، ولا يمنع
كلاً ما سبق له به التقدير، هذا بحكم العدل الأول حكم الربوبية الذي استأثر به في
حكم اسم الألوهية.
ثم بيَّن بفحوى الخطاب على حكم العدل الثاني بمقتضى اسمه الرحمن
الرحيم مع اسمه المجازي والمبتلي أن نية العبد وإرادته إحدى الدارين عليها
مجزي الله لهذا العبد الحكم في رزقه وأجله، فجعله بذلك من عدوه أو من حزبه،
وما بين الحكمين إلا نيته وإرادته، ثم تتقلب حركاته إلى طاعة أو إلى معصية
بانقلاب نيته من إيمان وكفر طاعة أو عصيان، لذلك - وهو أعلم - أعقب بقوله
الحق: (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20) .
أتبع ذلك بقوله جل قوله: (أُولَئِكَ(16) . أي: الذين أرادوا الدنيا وعملوا لها(لَيْسَ
لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا)أي: حبط في أحكام الآخرة ما
صنعوا في الدنيا (وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا) في الدنيا (يَعْمَلُونَ) وعيد شديد
لمريدي الدنيا.
قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ...(17) . أي: من ربه
بالقرآن والإناء والوحي، ظ هد هذا قوله - جلَّ جلالُه -: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى)
وكونه على بينة من ربه معرفته بما خلق الله به السماوات والأرض من حق، ثم بعد