وحين تقول:"دنيا"فهي من الدُّنُوِّ"أو"الدناءة"."
وإن اعتبرت الدنو هو طريق موصل إلى القيمة ، فهذا أمر مقبول ؛ لأن الدرجة الأولى في الوصول إلى الأعلى هي الدنو ، وتلتزم بمنهج الله تعالى فتصعد عُلوّاً وارتفاعاً إلى الآخرة .
إذن: فمن يصف الدنيا بالدناءة على إطلاقها نقول له: لا ، بل هي دنيا بشرط أن تأخذها طريقاً إلى الأعلى ، ولكن من لا يتخذها كذلك فهو من يجعل مكانته هي الدنيئة ، أما من يتخذها طريقاً إلى العلو فهو الذي أفلح باتِّباع منهج الله تعالى .
إذن: فالدنيا ليست من الدناءة ؛ لأن الدين ليس موضوعه الآخرة ، بل موضوعه هو الدنيا ، ومنهج الدين يلزمك ب"افعل"و"لا تفعل"في الدنيا ، والآخرة هي دار الجزاء ، والجزاء على الشيء ليس عين موضوعة ، وأنت تستطيع أن تجعل الدنيا مفيدة لك إنْ جعلتها مزرعة للآخرة .
وإياك أن تعمل على أساس أن الدنيا عمرها ملايين السنين ؛ لأنه لا يعنيك كعائش في الدنيا إن طال عمرها أم قَصُرَ ، بل يعنيك في الدنيا مقدار مُكْثِك فيها ، وعمرك فيها مظنون ، بل وزمن الدنيا كله مظنون ، وهناك من يموت وعمره ستة أشهر ، وهناك من يموت وعمره مائة سنة ، وكلٌّ يتمتع بقدر ما يعيش ، ثم يرجع إلى الله سبحانه وتعالى .
وهؤلاء الذين ضَلُّوا وقالوا على الله سبحانه افتراء ، هؤلاء لن يفلتوا من الله ؛ لأن مرجعهم إليه سبحانه ككل خَلْقه ، وهؤلاء المُضِلُّون لم يلتفتوا إلى عاقبة الأمر ، ولا إلى من بيده عاقبة الأمر ، ولم يرتدعوا .
ولكن من نظر إلى عاقبة الأمر وأحسن في الدنيا فمرجعه إلى حسن الثواب والجنة ، ومن لم ينظر إلى عاقبة الأمر وافترى على الله سبحانه وتعالى الكذب فالمآب والمآل إلى العذاب مصداقاً لقوله تعالى:
{ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [يونس: 70] .