إذن: فالفلاح مادة مأخوذة من فلح الأرض وشقها وزرعها لتأخذ الثمرة .
وكما أنك تأخذ حظك من الثمار على قدر حظك من التعب ومن العمل ، فذلك أمر الآخرة وأمر الدنيا .
ومثال ذلك: الفلاح الذي يحرث الأرض ، ويحمل للأرض السماد على المطية ، ثم يستيقظ مبكراً في مواعد الري ، تجد هذا الفلاح في حالة من الانشراح والفرح في يوم الحصاد ، وأمره يختلف عمن يهمل الأرض ويقضي الوقت على المقهى ، ويسهر الليل أمام التلفزيون ، ويأتي يوم الحصاد ليحزن على محصوله الذي لم يحسن زراعته .
وقول الحق سبحانه:
{إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ} [يونس: 69] .
أي: هؤلاء الذي يقولون عن الله تعالى أو في الله تعالى بغير علم من الله ، هم الذين لا يفلحون .
وأوضحت من قبل أن كل ما يتعلق بالله تعالى لا يُعْلَم عنه إلا عن طريق الله . لكن ما الذي يحملهم على الافتراء؟
نعم ، إن كل حركة في الحياة لا بد أن يكون الدافع إليها نفعاً ، وتختلف النظرة إلى النفع وما يترتب عليه ، فالطالب الكسول المتسكع في الشوارع ، الرافض للتعلم ، نجده راسباً غير موفق في مستقبله ، أما التلميذ الحريص على علومه ، فهو من يحصل على المكانة اللائقة به في المجتمع ، والتلميذ الأول كان محدود الأفق ولم ير امتداد النفع وضخامته ، بل قصر النفع على لذة عاجلة مُضحِّياً بخيرٍ آجِلٍ .
والذي جعل هؤلاء يفترون على الله الكذب هو انهيار الذات ، فكل ذات لها وجود ولها مكانة ، فإذا انهارت المكانة ، أحس الإنسان أنه بلا قيمة في مجتمعه .
والمثل الذي ضربته من قبل بحَلاَّق الصحة في القرية ، وكان يعالج الجميع ، ثم تَخرَّجَ أحد شباب القرية في كلية الطب وافتتح بها عيادة ، فإن كان حلاق الصحة عاقلاً ، فهو يذهب إلى الطبيب ليعمل في عيادته ممرضاً ، أو (تمرجياً) ، أما إن أخذته العزة بالإثم ، فهو يعاند ويكابر ، ولكنه لن يقدر على دفع علْم الطبيب .