لذلك يعلِّمنا الحق سبحانه أن نقول تنزيهاً لله تعالى كلمة {سُبْحَانَهُ} ، وهو التنزيه الواجب عن كل شيء يخطر ببال الإنسان عن الله تعالى ، وهذه السبحانية أو هذا التنزيه هو صفة ذاتية في الله تعالى ، قبل أن يوجد شيء ، وبعد أن خَلَق الخَلْق ، فعلى كل المخلوقات تنزيهه ، وبدأ الخلق في التسبيح .
والتسبيح فعل مستمر لا ينقطع ولا ينقضي ؛ لذلك تجد استدلالات القرآن في السور التنزيهية تؤكد ذلك ، فيقول الحق سبحانه:
{سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] .
وإياك أن تظن أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد سرى بقرار من نفسه ، بل الذي أسرى به هو الحق سبحانه ، فلا تظن أن المسافة يمكن أن تمنع مشيئة الحق المطلقة ، ولا المكان ، ولا الزمن ؛ لأن الفعل منسوب لله تعالى ، ولا يمكن أن نقيس فعلاً منسوباً لله تعالى بقياس الزمان أو المكان ، أو حسب قانون الحركة النسبية ، لأن الحق سبحانه له طلاقة القدرة ، وأنت بشر مجرد حادث محدود الزمان والمكان .
وأنت إذا سِرْت من هنا إلى الإسكندرية مثلاً على قدميك فستقطع المسافة في أسابيع ، وإن امتطيت دابة فقد تأخذ في الوصول إلى الإسكندرية أياماً ، وإن ركبت سيارة فسوف تقطع المسافة في ساعتين ، وإن ركبت صاروخاً ، فستصل خلال دقائق .
أي: أنك كلما زادت قوة أداة الوصول قَلَّ زمن الوصول ، وهذا موجز نظرية الحركة ، وإذا كان الذي أسرى هو الله سبحانه ، وهو قوة القوى ، لذلك لا يمكن أن يقاس بالنسبة لمشيئة قوة أخرى ، أو أن يقاس الأمر ببُعد أو قُرْب المكان أو كيفية الزمان الذي تعرفه .
وإياك أن تفهم أن إسراء الله تعالى مثل إسرائك ؛ لأن الفعل إنما يأخذ قوته من الفاعل ، وما دام الفاعل هو الله سبحانه فلا أحد بقادر أن يَحُدَّ أفعاله بزمن .