وَإِنَّمَا هَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ، أَنَّهُ لَمْ يُسْلِبْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الْإِيمَانَ ابْتِدَاءً مِنْهُ بِغَيْرِ جُرْمٍ سَلَفَ مِنْهُمْ، وَإِخْبَارٌ أَنَّهُ إِنَّمَا سَلَبَهُمْ ذَلِكَ بِاسْتِحْقَاقٍ مِنْهُمْ، سَلَبَهُ لِذُنُوبٍ اكْتَسَبُوهَا، فَحَقَّ عَلَيْهِمْ قَوْلُ رَبِّهِمْ، {وَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَوْمَ نَحْشُرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَنَجْمَعُهُمْ فِي مَوْقِفِ الْحِسَابِ، كَأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ يَتَعَارَفُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ انْقَطَعَتِ الْمَعْرِفَةُ وَانْقَضَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ. يَقُولُ اللَّهُ: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} قَدْ غَبَنَ الَّذِينَ جَحَدُوا ثَوَابَ اللَّهِ وَعِقَابَهُ وَحُظُوظَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَهَلَكُوا.
{وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}
يَقُولُ: وَمَا كَانُوا مُوَفَّقِينَ لِإِصَابَةِ الرُّشْدَ مِمَّا فَعَلُوا مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِلِقَاءِ اللَّهِ لِأَنَّهُ أَكْسَبَهُمْ ذَلِكَ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ يَا مُحَمَّدُ فِي حَيَاتِكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ مِنَ الْعَذَابِ، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ أَنْ نُرِيَكَ ذَلِكَ فِيهِمْ.
{فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ}
يَقُولُ: فَمَصِيرُهُمْ بِكُلِّ حَالٍ إِلَيْنَا وَمُنْقَلِبُهُمْ.
{ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ}