وقد انضمّ إلى فقد البصر ، فقد البصيرة ؛ لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يكون له من الحدس الصحيح ما يفهم به في بعض الأحوال فهما يقوم مقام النظر ، وكذلك الأصمّ العاقل ، قد يتحدّس تحدّساً يفيده بعض فائدة ، بخلاف من جمع له بين عمي البصر والبصيرة ، فقد تعذر عليه الإدراك.
وكذا من جمع له بين الصمم وذهاب العقل ، فقد انسدّ عليه باب الهدى ، وجواب"لو"في الموضعين محذوف ، دلّ عليهما ما قبلهما ، والمقصود من هذا الكلام تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ، واستراح من الاشتغال به.
قوله: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ذكر هذا عقب ما تقدّم من عدم الاهتداء بالأسماع والأبصار ، لبيان أن ذلك لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل ، والبصر والبصيرة ، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق ، والمجادلة بالباطل ، والإصرار على الكفر ، فهم الذين ظلموا أنفسهم بذلك ، ولم يظلمهم الله شيئاً من الأشياء ، بل خلقهم وجعل لهم من المشاعر ما يدركون به أكمل إدراك ، وركب فيهم من الحواس ما يصلون به إلى ما يريدون ، ووفر مصالحهم الدنيوية عليهم ، وخلى بينهم وبين مصالحهم الدينية ، فعلى نفسها براقش تجني ، وقرأ حمزة والكسائي"ولكن الناس"بتخفيف النون ورفع الناس ، وقرأ الباقون بتشديدها ونصب الناس.
قال النحاس: زعم جماعة من النحويين منهم الفراء ، أن العرب إذا قالت"ولكن"بالواو شدّدوا النون ، وإذا حذفوا الواو خففوها.
قيل: والنكتة في وضع الظاهر موضع المضمر زيادة التعيين والتقرير ، وتقديم المفعول على الفعل لإفادة القصر ، أو لمجرد الاهتمام مع مراعاة الفاصلة.