ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن اللَّه أمر رسوله أن يستغفر لهم ويصلي عليهم، ثم لا يحتمل أن يأمره بذلك فلا يفعل، أو يفعل فلا يجيبه، فكانت قلوبهم تسكن، وتطمئن باستغفار النبي لهم لما قبلت توبتهم، وكفرت سيئاتهم، واللَّه أعلم.
(وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .
قد ذكرنا هذا غير مرة.
وفي قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) دلالة أن الصدقة إذا وقعت في يد المتولي والعامل عليها سقطت عن أربابها، وإن لم تقع في أيدي الفقراء ولم تصل إليهم؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان لا يحل له الصدقة، ثم أخبر أنه إذا أخذها منهم كانت طهارة لهم وتزكية.
وفيه استدلال لمُحَمَّد بن الحسن في الوقف؛ أن الوقف إذا وقف وأخرجه من يده وجعله في يد آخر ممن لا حق له في ذلك كان جائزًا، وكان وقفًا صحيحًا.
ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن للإمام أن يطالب بزكاة الأموال، وكذلك مضت السنة من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في بعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ صدقات الأنعام والمواشي في مواضعها، وعلى ذلك فعل الأئمة من بعد: أبو بكر، وعمر، والأئمة الراشدون، وظهر العمل بذلك من بعدهم إلى هذا الوقت، حتى قال أبو بكر لما امتنعت العرب من إعطائه الزكاة: واللَّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حاربتهم عليها. فذلك يؤيد ما ذكرنا من مطالبة الإمام أصحاب الأنعام والمواشي بزكاة أنعامهم ومواشيهم.
وقد بين اللَّه تعالى وجوب ذلك بيانًا شافيًا بقوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) الآية، فجعل للعاملين عليها حقًّا، فلو لم يكن على الإمام أن يطالب بصدقات الأنعام في أماكنها، وكان أداء ذلك إلى أرباب الأموال؛ ما كان لذكر العاملين وجه، ولم يبلغنا أن النبي بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورِق وأموال التجارة،