إن قريشًا لما أجمعت المسير، ذكرت الذي بينها وبين بني كنانة، ومدلج من الحرب، وكانوا قد قتلوا الفاكه بن المغيرة، وعوفًا أبا عبد الرحمن بن عوف ومالك بن الشريد وكانوا يطلبونهم بدم، وكاد هذا أن يثنيهم عن الخروج من مكة، فتبدا لهم إبليس في جند من الشيطان معه رايته، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني ثم المدلجي، وكان من أشرافهم، فقالوا: نحن نريد قتال هذا الرجل ونخاف من قومك فقال لهم: أنا جار لكم من قومي، فلا غالب لكم اليوم من الناس، ومعنى الجار هاهنا: الدافع عن صاحبه الشر كما يدفع الجار عن جاره، والعرب تقول: أنا جار لك من فلان، أي: حافظ لك من معرّته فلا يصل إليك منه مكروه.
وقوله تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ} قال ابن عباس: التقى الجمعان، قال الزجاج: توافقتا حتى رأت كل واحدة
الأخرى.
{نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} النكوص: الإحجام عن الشيء ، نكص ينكص نكوصًا ونكيصًا: إذا تأخر عن الشيء وجبن، وأنشد أبو عبيدة قول الكميت:
فما نفع المستأخرين نكيصهم ... ولا ضر أهل السابقات التعجل
وزاد الكسائي: نكصانًا، وقال الزجاج: نكص على عقبيه: رجع بخزي، وقال القتيبي: رجع القهقرى، وقال ابن عباس: رجع موليًا، وقال الضحاك: ولى مدبرًا، وقال قطرب: رجع من حيث جاء.
قال الكلبي عن ابن عباس: لما التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة آخذًا بيد الحارث بن هشام، فرأى عدو الله الملائكة حين نزلت من السماء - وهو روحاني يراهم - نكص على عقبيه فقال له الحارث: يا سراق أفرارًا من غير قتال، فقال له: {إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ} ودفع في صدر الحارث وانطلق، وانهزم الناس، قال الحسن في قوله: {إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} أي: جبريل معتجرًا ببرد، يمشي بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي يده اللجام يقود الفرس، ما ركب.