وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ غَنِيمَةً لِجَمِيعِهِمْ؛ إذْ بِهِمْ صَارَ مُحْرَزًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى مَعُونَةِ هَؤُلَاءِ فِي إحْرَازِهَا كَمَا لَوْ لَحِقُوهُمْ قَبْلَ أَخْذِهَا شَارَكُوهُمْ؟ وَلَوْ كَانَ حُصُولُهَا فِي أَيْدِيهِمْ يُثْبِتُ لَهُمْ فِيهَا حَقًّا قَبْلَ إحْرَازِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَوَجَبَ أَنْ يَصِيرَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وَطِئَهُ الْجَيْشُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، كَمَا لَوْ افْتَتَحُوهَا لَصَارَتْ دَارًا لِلْإِسْلَامِ
، وَفِي اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ وَطْءَ الْجَيْشِ لِمَوْضِعٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَجْعَلُهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ فِيهِ إلَّا بِالْحِيَازَةِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَقْسِمْ لِلْمَدَدِ بِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ عَلَى سَرِيَّةٍ قِبَلَ نَجْدٍ، فَقَدِمَ أَبَانُ وَأَصْحَابُهُ بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا فُتِحَتْ وَإِنَّ حُزُمَ خَيْلِهِمْ اللِّيفُ، قَالَ أَبَانُ: اقْسِمْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْت: لَا تَقْسِمْ لَهُمْ شَيْئًا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ: قَالَ أَبَانُ: أَنْتَ بِهَذَا يَا وَتَرَ نَجْدٍ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْلِسْ يَا أَبَانُ فَلَمْ يَقْسِمْ لَهُمْ} .
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ خَيْبَرَ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ بِظُهُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ.