أ - أن"لا"ناهية ، وهو نهي بعد أمر ، أي: إنه كلام منقطع عما قبله ، كقولك: صلّ الصبح ولا تضرب زيدا ، فالأصل: اتقوا فتنة ، أي: عذابا ، ثم قيل: لا تتعرضوا للفتنة فتصيب الذين ... إلخ ، وعلى هذا فالأصابة بالمتعرضين. وتوكيد الفعل بالنون واضح لاقترانه بحرف الطلب ، مثل:"ولا تحسبنّ اللّه غافلا"، ولكن وقوع الطلب صفة للنكرة ممتنع ، فوجب إضمار القول ، أي: واتقوا فتنة مقولا فيها ذلك ، كما قيل في قوله:
حتى إذا جن الظلام واختلط جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط
ب - أنها نافية ، واختلف القائلون بذلك على قولين: أحدهما أن الجملة صفة لفتنة ، ولا حاجة إلى إضمار قول ، لأن الجملة خبرية.
فلا الجارة الدنيا بها تلحينّها ولا الضيف فيها إن أناخ محوّل
بل هو في الآية أسهل ، لعدم الفصل ، وهو فيهما سماعي. والذي جوزه تشبيه لا النافية بلا الناهية ، وعلى هذا الوجه تكون الأصابة عامة للظالم وغيره لا خاصة بالظالمين ، كما ذكره الزمخشري ، لأنها قد وصفت بأنها لا تصيب الظالمين ، خاصة ، فكيف تكون مع هذا خاصة بهم! والثاني أن الفعل جواب الأمر ، وعلى هذا فيكون التوكيد أيضا خارجا عن القياس وشاذا. وممن ذكر هذا الوجه الزمخشري ، وهو فاسد ، لأن المعنى حينئذ: فإنكم إن تتقوها لا تصب الظالم خاصة. وقوله: إن التقدير:
إن أصابتكم لا تصيب الظالم خاصة ، مردود ، لأن الشرط إنما يقدر من جنس الأمر ، لا من جنس الجواب.
[سورة الأنفال (8) : الآيات 27 إلى 29]