وقول من قال: إن هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها, ليس بشيء ، وهذا يروى عن الحسن وعكرمة، وقال أهل العلم وأصحاب المعاني: هذا غلط؛ لأن الخبر لا ينسخ.
وذكر أبو إسحاق الزجاج معنى آخر لهذه الآية هو أليق بما قبلها وهو أنه قال في قوله: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} : المعنى: وأي شيء لهم في ترك العذاب، أي في دفعه عنهم {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .
ومعنى هذا الكلام: وأي شيء لهم في ترك عذابهم، أي: إنا وإن تركنا عذابهم يكفيهم من الخسارة في حالتهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام، وأنهم حرموا موالاة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولو أراد الله بهم خيرًا ما فعلوا ذلك.
وشرح صاحب النظم المذهبين في قوله: {وَمَا لَهُمْ} شرحًا شافيًا فقال: قوله: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} أصحاب العربية اختلفوا في معنى هذه الكلمة وفي قولهم: ما لزيد قائمًا؟ فزعم بعضهم أن قولك: مالك وما لزيد؟ استفهام عن حال أنكرتها، فإذا قلت: ما لزيد قائمًا؟ فكأنك قلت: ما له في القيام؟ أي: أي شيء [له فيه من نفع أو غيره؟ وهذا وجه قول الزجاج، قال: وقال بعضهم: إن قولك: (مالك) ، مثل قولك: (لم) ، وأصل (لم) : (لما) ، أي: لأي شيء] كان هذا؟ إلا أنهم إذا جعلوا (ما) مع حرف الصفة في موضع الاستفهام حذفوا ألف (ما) مثل قوله عز وجل: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ: 1] ، و {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات: 43] ، و {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2] .