وأما الأولاد فحبهم - كما يقول الأستاذ الامام - ضرب من الجنون يلقيه الفاطر الحكيم في قلوب الأمهات والآباء، فيحملهم على بذل كل ما يستطاع بذله في سبيلهم.
روى أبو ليلى من حديث أبى سعيد الخدري مرفوعا «الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة» . فحب الولد قد يحمل الوالدين على اقتراف الآثام، وعلى الجبن، وعلى البخل، وعلى الحزن.
فالواجب على المؤمن اتقاء خطر الفتنة الأولى يكسب المال من وجوهه الحلال، وإنفاقه في وجوهه المشروعة .. واتقاء خطر الفتنة الثانية باتباع ما أوجبه الله على الآباء من حسن تربية الأولاد على الدين والفضائل، وتجنبهم أسباب المعاصي والرذائل».
وقوله وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
تذييل قصد به ترغيب المؤمنين في طاعة الله، بعد أن حذرهم من فتنة المال والولد.
أي: واعلموا أن الله عنده أجر عظيم لمن آثر طاعته ورضاه على جمع المال وحب الأولاد، فكونوا - أيها المؤمنون - من حزب المؤثرين لحب الله على حب الأموال والأولاد لتنالوا السعادة في الدنيا والآخرة.
ثم ختم سبحانه - نداءاته للمؤمنين بهذا النداء الذي يهديهم إلى سبل الخير والفلاح فقال - سبحانه - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً، وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
والفرقان في كلام العرب - كما يقول ابن جرير - مصدر من قولهم فرقت بين الشيء والشيء أفرق بينهما فرقا وفرقانا - أي أفرق وأفصل بينهما.
وقد اختلف أهل التأويل في العبارة عند تأويل قوله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً فقال بعضهم:
يجعل لكم مخرجا. وقال بعضهم نجاة، وقال بعضهم فصلا وفرقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم .. وكل ذلك متقارب المعنى، وإن اختلفت العبارة .. ».