ومنهم من قال: إنها متصلة بقصة الخيانة، يقول: إن تتقوا الله باجتناب خيانته، وخيانة رسوله، وخيانة أمانته يجعل لكم فرقانًا، وقد ذكرنا معنى الفرقان في اللغة وأنه مصدر لـ (فرق) نحو الرجحان والنقصان.
واختلفت عبارات المفسرين في تفسير الفرقان هاهنا وكلها راجع إلى معناه في اللغة، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: مخرجًا من الشبهات مثل قوله في البقرة: {هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} ، يريد المخرج من الشبهات، وأراد هاهنا بالمخرج: أن الله تعالى يجعل لكم فرقانًا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم بنصره إياكم عليه، وهذا قول مقاتل.
وقال عكرمة والسدي وعبد الكريم الجزري: (فرقانًا: نجاة) ، يريدون أن الله تعالى يفرق بينكم وبين ما تخافون فتنجون، وقد جمع مجاهد بين معنى القولين فقال: مخرجًا في الدنيا والآخرة، يعني: مخرجًا في الدنيا من الشبهات، ونجاة في الآخرة.
[وقال الضحاك: (بيانًا) ، وهو معنى قول من قال: مخرجًا من الشبهات] .
وقال ابن زيد وابن إسحاق: هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل.
وقال الكلبي: (نصرًا) وهو اختيار الفراء، قال: يقول: فتحًا ونصرًا كقوله: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41] ، يعني يوم الفتح والنصر، يريد أن يعز المؤمنين وينصرهم ويدل من خالفهم ويخذلهم فرقًا بينهم وبينهم.
وقوله تعالى: {وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ، قال عطاء: يريد تفضل على أوليائه بالعصمة بعد ما كفّر سيئاتهم، وقال أهل المعاني: أي أنه ابتدأكم بالفضل العظيم فلا يمنعكم ما وعدكم على طاعاتكم.
وقيل: إنه الذي يملك الفضل العظيم فاكتفوا بالطلب من عنده دون غيره. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 10/ 86 - 116} .