الوجه الثاني: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أوصافاً متعدّدة من أحوال المؤمنين ، ثم قال بعد ذلك: {أولئك هم المؤمنون حقاً} وذلك يدل على أنّ تلك الأوصاف داخلة في مسمى الإيمان ، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"ففي الحديث دليل على أنّ للإيمان أدنى وأعلى ، فيكون قابلاً للزيادة والنقص ، وقال عمير بن حبيب: إن للإيمان زيادة ونقصاناً ، قيل له: فما زيادته وما نقصانه فقال: إذا ذكرنا الله وحمدناه ، فذلك زيادته ، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه ، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إنّ للإيمان فرائض وشرائط وحدوداً وسنناً فمن استكملها فقد استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ، ثم وصف الله تعالى المؤمنين الكاملين بصفة أخرى ثالثة ، وهي الاتكال عليه بقوله تعالى: {وعلى ربهم يتوكلون} أي: يفوّضون جميع أمورهم إليه لا يرجون غيره ، ولا يخافون سواه ؛ لأنّ المؤمن إذا كان واثقاً بوعد الله تعالى ووعيده كان من المتوكلين عليه لا على غيره ، وهذا الحال مرتبة عالية ودرجة شريفة ، وهي أنّ الإنسان بحيث يصير لا يبقى له اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله تعالى ، وهذه الصفات الثلاث مرتبة على أحسن صفات الترتيب ، فإنّ المرتبة الأولى هي الوجل عند ذكر الله ، والمرتبة الثانية هي الانقياد لمقامات تكاليفه ، والمرتبة الأخيرة الانقطاع بالكلية عما سوى الله والاعتماد بالكلية على فضل الله بل الغنى بالكلية عما سوى الله ، ثم إنّ هذه المراتب الثلاث أحوال معتبرة في القلوب والبواطن ، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر فقال: