روى الحافظ الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصارى أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «كيف أصبحت يا حارث» ؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك» ؟ فقال الحارث: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلى، وأظمأت نهاري. وكأنى أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأنى أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا حارث عرفت فالزم» ثلاثا.
ثم أخذت السورة - بعد هذا الافتتاح المشتمل على أروع استهلال وأبلغه وأحكمه .. ، في الحديث عن الغزوة التي كان من ثمارها تلك الأنفال، فاستعرضت مجمل أحداثها، وصورت نفوس فريق من المؤمنين الذين اشتركوا فيها أكمل تصوير، استمع معى - أخى القارئ - بتدبر وتعقل إلى قوله - تعالى -:
[سورة الأنفال (8) : الآيات 5 إلى 8]
(كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ(5)
الكاف في قوله - تعالى -: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ .. بمعنى مثل، أي: للتشبيه وهي خبر لمبتدأ محذوف هو المشبه، وما بعدها هو المشبه به، ووجه الشبه مطلق الكراهة، وما ترتب على ذلك من خير للمؤمنين.
والمعنى: حال بعض أهل بدر في كراهتهم تقسيمك الغنائم بالسوية، مثل حال بعضهم في كراهة الخروج للقتال، مع ما في هذه القسمة والقتال من خير وبركة.
ونحن عند ما نستعرض أحداث غزوة بدر، نرى أنه قد حدث فيها أمران يدلان على عدم الرضا من فريق من الصحابة، ثم أعقبهما الرضا والإذعان والتسليم لحكم الله ورسوله.
أما الأمر الأول فهو أن فريقا من الصحابة - وأكثرهم من الشبان - كانوا يرون أن قسمة الغنائم بالسوية فيها إجحاف بحقهم، لأنهم هم الذين قاموا بالنصيب الأوفر في القتال، وأن غيرهم لم يكن له بلاؤهم - كما سبق أن بينا في أسباب نزول قوله - تعالى - «يسألونك عن الأنفال .. إلخ» .
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بين الجميع بالسوية، كما أمره الله - تعالى - .
وكان هذا التقسيم خيرا للمؤمنين، إذ أصلح الله به بينهم، وردهم إلى حالة الرضا والصفاء ..