فإذا كان الجن له قانون والإِنس له قانون ، فهل القانون هو الذي يسيطر؟ لا ، بل رب القانون هو الذي يسيطر لأنه جل وعلا فوق القانون . فيأتي الله للإِنس ويُعَلّم واحداً منهم بعضاً من أسرار كونه ليستذل الجن لخدمته ، برغم ما للجن من خفة حركة ، فسبحانه يوضح: لا تظن أيها الجن أنك قد أخذت خصوصيتك من العنصر الذي يكونك لأن هناك القادر الأعلى وهو المعنصر لك ولغيرك ، بدليل أن الإِنسان وهو من عنصر آخر يتحكم فيك بعد أن علمه الله بعضاً من أسرار كونه . ولننتبه دائماً أن العلم بأسرار تسخير الجن هو من ابتلاءات الحق للخلق ؛ لأنه سبحانه وتعالى يقول: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ ...} [البقرة: 102]
فكأن هاروت وماروت وهما يعلّمان الإِنسان كيف يمارس السحر ، ينصحان الإِنسان الذي يرغب في أن يتعلم السحر أولاً ، ويوضحان له أنهما فتنة أي ابتلاء واختبار ويقولان له: {فَلاَ تَكْفُرْ} ، مما يدل على أن كل من يتعلم السحر ؛ إن قال لك: إني سأستعمله في الخير فهو كاذب ؛ لأنه يقول ذلك ساعة صفاء نفسه تجاه الخلق ، لكن ماذا إن غافله إنسان من أي ناحية وغلبه على بعض أمره وهو يملك بعضاً من أسرار السحر؟ هل يقدر على نفسه؟ لقد قال إنه أمين وقت التحمل ، لكن هل يظل أميناً وقت الأداء؟ إن من يتعلم السحر قد يستخدمه في الانتقام من غيره ، وبذلك يضيع تكافؤ الفرص ، ونعلم أن تكافؤ الفرص هو الذي يحمي الناس ، ويعطي بعضهم الأمن من بعض ، ويُلزم كل إنسان حدّه .