وما من عجب في هذا الاختيار. فهذا الكائن الإنساني شأنه كله عجيب .. إنه يتعامل مع العوالم كلها، ويتصل بربه بما ركب في طبيعته من نفخة الله فيه من روحه .. فإذا اختار الله من بينه رسوله - والله أعلم حيث يجعل رسالته - فإنما يتلقى هذا المختار عنه، بما أودع في كيانه من إمكانية الاتصال به والتلقي عنه، بذلك السر اللطيف الذي به معنى الإنسان، والذي هو مناط التكريم العلوي لهذا الكائن العجيب التكوين.
ويكشف لهم نوح عن هدف الرسالة:
{لينذركم، ولتتقوا، ولعلكم ترحمون} ..
فهو الإنذار لتحريك القلوب بمشاعر التقوى، ليظفروا في النهاية برحمة الله .. ولا شيء وراء ذلك لنوح، ولا مصلحة، ولا هدف، إلا هذا الهدف السامي النبيل.
ولكن الفطرة حين تبلغ حداً معيناً من الفساد، لا تتفكر ولا تتدبر ولا تتذكر، ولا ينفع معها الإنذار ولا التذكير:
{فكذبوه، فأنجيناه والذين معه في الفلك، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، إنهم كانوا قوماً عمين} ..
ولقد رأينا من عماهم عن الهدى والنصح المخلص والنذير .. فبعماهم هذا كذبوا .. وبعماهم لاقوا هذا المصير!. انتهى انتهى. {الظلال حـ 3 صـ 1301 - 1310}