يستلزم الأخص ، فإذا قلت: هذا ليس بإنسان ، لا يلزمه سلب الحيوانية عنه ، ولو قلت:
هذا ليس بحيوان ، لم يكن إنساناً ، والحق أن يقال: الضلالة أدنى من الضلال لأنَّها لا
تطلق إلا على الفعلة منه ، والضلال يصلح للقليل والكثير ، ونفي الأدنى أبلغ من نفي
الأعلى لا من جهة كونه أخص بل من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى . اهـ
وفي حاشية الطَّيبي: عن صاحب الكشاف روى أنه قال: نفى أن يكون معه طرف من
الضلال وأثبت أنه في الغاية القصوى من الهدى حيث كان رسولاً من رب العالمين ،
وفيه إظهار لمكابرتهم وفرط عنادهم حيث وصفوا من هو بهذه المنزلة من الهدى بالضلال
المبين الظاهر شأنه لا ضلال بعده.
(قال صاحب الفرائد: جعل التاء في الضلالة بمنزلة التمرة والفعلة في أنَّها للوحدة) ،
وقد قال صاحب المجمل: الضلال والضلالة بمعنى واحد.
وقال صاحب المثل السائر: الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي يكون بينها وبين
واحدها تاء التأنيث فإنه متى أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ ومتى أريد الإثبات
كان استعمالها أبلغ كما في الآية ، ولا يظن أنه لما كان الضلال والضلالة مصدرين من
قولك: ضل يضل ضلالاً وضلالة كان القولان سواء ، لأن الضلالة هنا ليست عبارة
عن المصدر بل عن المرة الواحدة ، فإذا نفى نوح صلى اللَّه عليه وسلم عن نفسه المرة
الواحدة من الضلال فقد نفى ما فوق ذلك من المرتين والمرات الكثيرة.
وقال صاحب الفلك الدائر على المثل السائر: الذي ذكره غير صحيح لا إن كانت
الضلالة مصدراً ولا إن كانت المرة الواحدة ، أما الأول فلأنهما لما دلا على المصدر لم
تكن دلالة أحدهما أبلغ من الآخر ، لأن المصدر يدل على الماهية فقط فإذا نفى نفيت
الماهية ، وأما الثاني فلا يصح أيضاً ، لأنه لو قال القائل: ما عندي تمرة ، يعني ما عندي
تمرة واحدة وعندي تمر كثير يصح ، لأنه لو أظهر ما أضمر فقال ليس عندي تمرة واحدة