وبكل حال فهو مباين لها ، ليس بمجانب لها ، ومن المعلوم أن الواحد منا - ولله المثل الأعلى - إذا كان عنده خردلة ، إن شاء قبضها ، فأحاطت بها قبضته ، وإن شاء لم يقبضها ، بل جعلها تحته ، فهو في الحالين مباين لها ، وسواء قدر أن العرش هو محيط بالمخلوقات ، كإحاطة الكرة بما فيها ، أم قيل إنه فوقها وليس محيطاً بها كوجه الأرض الذي نحن عليها بالنسبة إلى جوفها ، وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها ، أو غير ذلك ، فعلى التقدير يكون العرش فوق المخلوقات ، والخالق سبحانه فوقه ، والعبد في توجهه إليه عز وجل ، يقصد العلو ، دون التحت .
وتمام هذا البحث بأن يقال: لا يخلو إما أن يكون العرش كرياً كالأفلاك
ويكون محيطاً بها ، وإما أن يكون فوقها ، وليس بكري .
فإن كان الأول ، فمن المعلوم - باتفاق من يعلم هذا - أن الأفلاك مستديرة كرية ، وأن الجهة العليا هي جهة المحيط ، وهو المحدود ، وأن الجهة السفلى هي المركز ، وليس للأفلاك إلا جهتان: العلو والسفل فقط ، وأما الجهات الست فهي للحيوان ، فإن له ست جوانب: يؤم جهة فتكون أمامه ، ويخلف أخرى فتكون خلفه ، وجهة تحاذي شماله ، وجهة تحاذي يمينه ، وجهة تحاذي رأسه ، وجهة تحاذي رجليه . وليس لهذه الجهات في نفسها صفة لازمة ، بل هي بحسب النسبة والإضافة ، فيكون يمين هذا ما يكون يسار هذا ، ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا ، لكن جهة العلو والسفل للأفلاك لا تتغير ، فالمحيط هو للعلو ، والمركز هو السفل ، مع أن وجه الأرض التي وضعها الله تعالى للأنام ، وأرساها بالجبال ، هو الذي عليه الناس والبهائم وغيرهما .