الدَّلِيلُ الثَّانِي عَلَى الْقُدْرَةِ فِي أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ الرُّسُوبُ يَصْعَدُ بِقُدْرَةِ الْوَاحِدِ الْقَادِرِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ مِنْ أَسَافِلِ الشَّجَرِ إلَى أَعَالِيهَا ، وَيَتَرَقَّى مِنْ أُصُولِهَا إلَى فُرُوعِهَا ، حَتَّى إذَا انْتَهَى إلَى آخِرِهَا نَشَأَ فِيهَا أَوْرَاقٌ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا ، وَثِمَارٌ خَارِجَةٌ عَنْ صِفَتِهَا ، فِيهَا الْجِرْمُ الْوَافِرُ ، وَاللَّوْنُ الزَّاهِرُ ، وَالْجَنْيُ الْجَدِيدُ ، وَالطَّعْمُ اللَّذِيذُ ؛ فَأَيْنَ الطَّبَائِعُ وَأَجْنَاسُهَا ؟ وَأَيْنَ الْفَلَاسِفَةُ وَأُنَاسُهَا ؟ هَلْ فِي قُدْرَةِ الطَّبِيعَةِ إذَا سَلَّمْنَا وَقُلْنَا لَهَا قُدْرَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْجَدَلِ أَنْ تُتْقِنَ هَذَا الْإِتْقَانَ الْبَدِيعَ ، أَوْ تُرَتِّبَ هَذَا التَّرْتِيبَ الْعَجِيبَ ؟ كَلًّا ، لَا يَتِمُّ ذَلِكَ فِي الْمَعْقُولِ إلَّا لِحَيٍّ عَالِمٍ قَادِرٍ مُرِيدٍ ، فَقَدْ عَلِمَ الْأَلِبَّاءُ أَنَّ أُمِّيًّا لَا يَنْظِمُ سُطُورَ الْكِتَابَةِ ، وَأَنَّ سَوَادِيًّا لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا فِي الدِّيبَاجِ مِنْ التَّزَيُّنِ وَالنِّسَاجَةِ ؛ فَسُبْحَانَ مَنْ لَهُ فِي
كُلِّ شَيْءٍ آيَةُ بِدَايَةٍ وَنِهَايَةٍ ، فَمِنْ اللَّهِ الِابْتِدَاءُ ، وَإِنَّ إلَى رَبِّك الْمُنْتَهَى ، تَقَدَّسَ وَتَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} فَهَذَانِ بِنَاءَانِ جَاءَا بِصِيغَةِ أَفْعَلَ ، وَأَحَدُهُمَا مُبَاحٌ لِقَوْلِهِ: {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} .