والثالث: ما ذكرنا: أنه تعبدنا بذكر اسم اللَّه عليه فكان في ذكر اسم اللَّه عليه إقامة عبادة؛ لذلك لم يجز هذا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) ، أخبر أنه ما لم يذكر اسم اللَّه عليه فسق، كما أخبر أن التناول من الميتة وما أهل لغير اللَّه به فسق، والفسق: هو الخروج عن أمر اللَّه، والذي ترك ذكر اسم اللَّه عليه: خارج عن أمر اللَّه - تعالى - كالميتة التي ذكرنا، فإن قال قائل: إن قول اللَّه: (لَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ؛ فكيف يجوز لكم أن تطلقوا أكل الذبيحة إذا ترك ذكر اسم اللَّه ناسيًا؟! قيل الخطاب بهذا لم يرجع إلى الذبيحة التي ترك ذكر اسم اللَّه عليها ناسيًا، لأن الذبائح إنما هي من عمل القصَّابين والصبيان؛ فهم لم يعودوا أنفسهم ذكر اسم اللَّه حتى يؤاخذوا بها على حفظ ذلك.
وهذا أصلنا: أن من لم يعود نفسه فعلًا يعذر في تركه وارتكابه في حال السهو والنسيان؟! كالأكل في شهر رمضان ناسيًا؛ لأنه عود نفسه الأكل والشرب، والصوم هو الكف عما اعتاد؛ فعذر في التناول منه والعود إلى العادة على السهو؛ لأنه يشتد على الناس حفظ النفس على خلاف العادة، ولأن اللَّه - تعالى - قال: (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) ، ولا خلاف في أن من نسي أن يسمي اللَّه على ذبيحة - فليس بفاسق؛ وإنما يفسق من تركها عامدًا؛ فدل أن الخطاب بالآية رجع إلى الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمدًا.