وهذه الآية (من) أدل دليل على أن قدرة الطاعة غير قدرة المعصية ، وأن كلا القدرتين من عند الله تعالى ، لأنه أخبر أنه يشرح صدر من أراد (هدايته ، ويضيق صدر من أراد) دَفْعَهُ عن الإيمان ، فَتَضْيِيقُه للصدر منع الإيمان ، ولو كان
يوصل إلى الإيمان مع تضييق الصدر عنه ، لم يكن بين تضييقه وشرحه فرق.
وقوله: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء} : هذا مثل ضربه الله لصدر الكافر في شدة ضيق صدره عن قبول الإسلام ونفوره عنه ، فهو بمنزلة من تكلَّف ما لا يُطِيْقُهُ ، كما أن من تكَلَّف صعود السماء تكلَّفَ ما لا يُطَاق.
ومعنى التشديد - على قراءة من شدد: أنه أتى به على"يَتَفَعَّل"ثم أدغم كأنه يتكلف شيئاً بعد شيء ، وكُلُّهُ لا يطيقه.
/ ومن قرأ (يَصّاعد) أراد"يتصاعد"، ثم أدغم ، ومعناه: كأنه يتعاطى ما لا يقدر عليه ، لأن الله قد خذله عن أن يقبل الإيمان ، وضيّق صدره عن قبوله .
وتحقيق معنى {ضَيِّقاً حَرَجاً} - فيمن كسر -: ضيّقا جداً ، كقولك:"مريض دَنِفٌ". ومن فتح فمعناه: ضيقاً ذا حرج ، كقولك:"رجل عدلٌ"، أي: ذو عدلٍ.
(والرّجْسُ) هنا:"ما لا خير فيه"، قاله مجاهد.
وقال ابن زيد:"الرجس: عذاب الله".
وقال بعض البصريين: الرِّجزُ والرّجسُ: العذاب والرّجس (و) النجسُ: الشيء القذر . وقيل:"الرجس: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة".
قوله: {وهذا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} الآيتان.
المعنى: وهذا الذي بيَّنّا لك في هذه السورة وغيرها ، {صِرَاطُ رَبِّكَ} أي:
طريق ربك ، ودينه الذي جعله مستقيماً ، {قَدْ فَصَّلْنَا الآيات} أي: بيّناها لقومٍ يذكرون.
(و) قال ابن عباس:"يعني به الإسلام".
وقوله: {لَهُمْ دَارُ السلام} أي: للقوم الذين يذّكّرون دار السلام ، والسلام: اسم من أسماء الله.