وكلمة {مِّن رَّبِّكَ بالحق} فيها إغراء للمؤمنين بأن كل الأمر يعود عليكم أنتم بالفائدة ؛ لأن غاية إنزال الكتاب لكم أنتم ، والكتاب جاء بهذا المنهج لصالحكم ولن يزيد في صفات الله صفة ، ولن يزيد في ملك الله ملكا . بل الغاية أنتم .
{أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب} [الأنعام: 114]
وسبحانه لم ينزل الكتاب إلا بتفصيل لا تلتبس فيه مسألة بأخرى:
{والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بالحق فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين} [الأنعام: 114]
والمقصود هنا بالذين آتيناهم الكتاب اليهود والنصارى ؛ لأنهم يعلمون صفاتك يا رسول الله ويعلمون نعتك ويعلمون الكثير من كتابك فكل ما يتعلق بك موجود عندهم لكن الآفة أنهم اعتنقوا دينين: دينا يعلن يبدونه ويظهرونه ، ودينا يُسَرّ به ، فما يسر به لا يعلنونه ويُحرِّمون السؤال فيه ، ولا يقبلون فيه نقاشاً ، وعندما تصل إلى الحقيقة وتعرضها عليهم لا يقبلونها ، وما الذي جعلهم يلتوون هكذا؟ لأن لهم حالين اثنتين: حال أيام أن كانوا يعاديهم من لا يؤمن بالسماء ومنهج السماء كعبدة الأوثان والمشركين . وقال فيه الحق: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ} [البقرة: 89]
لقد كانوا من قبل أعداء للذين كفروا وأشركوا فكان همهم وشغلهم الشاغل أن ينتصروا على هؤلاء الكافرين ، وقالوا:
(أظل زمان نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم)
وحينما جاءهم ما عرفوا كفروا به لأنهم: {اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً ...} [التوبة: 9]
وكان الثمن هو بقاء السلطة في أيديهم ، وعندما تأتي النبوة تنزع منهم السلطة ، فليس في الإِسلام سيطرة لرجال الدين ولا كهنوت . وكانوا يريدون أن تستمر سيادتهم ، فاشتروا بآيات الله ثمنا قليلا .