فهرس الكتاب

الصفحة 1897 من 2175

وعند هذا: فيجب حمل الآية على الفسق الكامل، جمعا بينه، وبين ما ذكرناه من الأدلة، ويكون تقدير الآية: إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ «1» بالفسق الكامل، وما ذكروه من الخبر؛ فقد قال علماء الأخبار: إنما ورد في المنافقين في زمن النبي- صلى اللّه عليه وسلم- ويجب الحمل عليه جمعا بينه، وبين ما ذكرناه من الأدلّة.

قولهم: إنّ من وقر الإيمان في صدره، لا يكون منهمكا على فعل المعاصى- ليس كذلك؛ فإنّه لا يبعد ممّن وقر الإيمان في صدره، وعلم أنّ عذاب لحظة من الآخرة يزيد على نعيم الدنيا، أن يقدم على المعصية اغترارا منه بما يتوقعه من كرم ربه، وعفوه وصفحه عنه وإقلاعه عن المعصية بالتوبة، والإنابة إلى الله- تعالى- على ما هو معلوم من حال كل عاص من المؤمنين؛ ويدل عليه: فعل الصغائر؛ فإنها وان دلت على مخالفة أمر الله- تعالى- ونهيه، وتقديم اللّذات العاجلة على طاعة الله تعالى، فلا تدل على أنّ فاعلها ليس بمؤمن بالإجماع، وليس ذلك إلا لما ذكرناه في فعل الكبيرة،

كيف .. ؟ وأن اسم النفاق مخصوص لمستبطن الكفر، ومظهر ضدّه باجماع المسلمين، وهو مشتق من النّافقاء «2» ، وهو جحر من جحر اليربوع في الأرض، قد أعدّه للخروج منه إذا أتى عليه من الحجرة الظّاهرة، ومرتكب الكبيرة، غير مستبطن للكفر ولا معتقد لنقيض الحقّ؛ فلا يكون منافقا.

فإن قيل: قد روى عن عمر- رضى الله عنه- انه سأل حذيفة بن اليمان «3» لما عرفه رسول الله- صلى اللّه عليه وسلم- المنافقين وأسماءهم، وقال له: هل عدنى رسول الله- صلى اللّه عليه وسلم- في المنافقين ولو كان النفاق عبارة عن استبطان الكفر؛ فعمر- رضى الله عنه- كان يعلم من نفسه أنّه لم يكن مستبطنا للكفر، فكيف تشكّك في نفسه؟

قلنا: إنما سأل عن ذلك نظرا إلى المآل، وخاتمة العمل علي ما جرت به العادة من وجل الأولياء/ والصالحين من سوء العاقبة، وما جرى به القلم في السابقة، امّا أن يكون ذلك لتشككه في حال نفسه، في الحالة الرّاهنة؛ فلا.

(1) سورة التوبة 9/ 67.

(2) (المنافق) من يخفى الكفر، ويظهر الإيمان ومن يضمر العداوة ويظهر الصداقة. (النافقاء) احدى جحرة اليربوع يكتمها، ويظهر غيرها. وهو أصل النفاق. [المعجم الوسيط- باب النون]

(3) هو أبو حذيفة بن حسل بن جابر العبسى- كان صاحب سرّ رسول الله في المنافقين أعلمه بهم، ولم يعرفهم لأحد غيره توفى سنة 36 ه (تهذيب التهذيب لابن حجر 2/ 219)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت