فإن قيل: ما ذكرتموه، وإن دلّ على استحقاق العقوبة غير أنّه معارض من جهة السمع بما يدلّ على عدمه، ودليله قوله- تعالى-: كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ* قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ «1» وذلك يدل على أنّ كلّ من يدخل النار؛ فإنه يكون مكذّبا للرّسول، والمؤمن غير مكذب للرسول؛ فلا يدخل النّار.
وأيضا قوله- تعالى-: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وتَوَلَّى «2» والمؤمن غير مكذب؛ فلا يكون معذبا.
وأيضا قوله- تعالى-: فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى* لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى* الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلَّى «3» والمؤمن غير مكذّب فلا يدخل النّار.
وأيضا قوله- تعالى-: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا «4» غير أنّه قد خص بالكافر، فيبقى فيما عداه على العموم.
وأيضا: قوله- تعالى-: وهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ «5» دلّ على أنّ المجازاة لا تكون إلا للكفور، وصاحب الكبيرة، ليس بكافر «13» بدليل قوله- تعالى-: وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي «6» سماهم مؤمنين حالة كونهم بغاة.
وأيضا فإنّ صاحب الكبيرة وإن لم يتب عنها مؤمن؛ لما ذكرناه فلو دخل النار، كان مخزيا لقوله- تعالى-: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ «7» والمؤمن غير مخزى لقوله- تعالى-: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ/ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ «8» وقوله- تعالى-: إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ والسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ «9» ولقوله- تعالى-: حكاية عن المؤمنين ولا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ «10» وقوله- تعالى-: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ «11» .
وأيضا قوله- تعالى-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ* ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ* ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ* تَرْهَقُها قَتَرَةٌ* أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ «12» . حكم على أرباب الوجوه
(1) سورة الملك 67/ 8، 9.
(2) سورة طه 20/ 48.
(3) سورة الليل 92/ 14، 15، 16.
(4) سورة الزمر 39/ 53.
(5) سورة سبأ 34/ 17.
(6) سورة الحجرات 49/ 9.
(13) أول ل 128/ ب.
(7) سورة آل عمران 3/ 92.
(8) سورة التحريم 66/ 8.
(9) سورة النحل 16/ 27.
(10) سورة آل عمران 3/ 194.
(11) سورة آل عمران 3/ 195.
(12) سورة عبس 80/ 38 - 42.