فهرس الكتاب

الصفحة 1821 من 2175

فلو لم يعلم المكلف استحقاقه للعقاب على تقدير فعلها؛ لكان ذلك من الله- تعالى- إغراء للمكلف بفعل القبيح؛ فيكون قبيحا، وهو على الله- تعالى- محال.

وبالجملة؛ فحاصل إيجابهم للثّواب، والعقاب على الله- تعالى- مبنى على التّحسين والتّقبيح العقلى، ووجوب رعاية الحكمة في أفعال الله- تعالى.

ومن حقّق ما أسلفناه في التّعديل والتجوير «1» ؛ لم يخف عليه بطلان مثل هذه الحجج هاهنا غير أنه لا بدّ من تتبعها، وزيادة الكشف في إبطالها.

[الرد على المعتزلة]

فنقول: أما إيجاب الثواب على فعل الطاعة بناء على كونه/ مقتضى العقل فمبنى على التحسين والتقبيح العقلى، وقد أبطلناه «2» .

وبتقدير التسليم لذلك جدلا.

ولكن لا نسلم أن ذلك من مستحسنات العقول، وبيانه من أربعة أوجه:-

الأول: أنّ ما يأتى به العبد من الطّاعات فهى عندهم واجبة عليه، شكرا لما أنعم الله عليه من النّعم الدنيوية، ومن أدى واجبا؛ فإنه لا يستوجب به بمقتضى العقل ثوابا، ولا جزاء؛ ولهذا فإنّ السيّد منّا إذا أحسن إلى عبده ومن هو في رقه وملكه، وأفاض عليه النعم، وأزاح عنه النّقم، فإنه يستحقّ بمقتضى العقل خدمة العبد له، وطاعته إياه، وما يفعله العبد من ذلك بطريق الاستحقاق، والشكر لإحسان سيده إليه، لا يكون بمقتضى العقل موجبا لمجازاة السيد إياه على ذلك الفعل «3» .

الثانى: أنه لو استوجب العبد بمقتضى العقل الثّواب الأبدى على فعل الواجب؛ لاستوجب الرب- تعالى- الشكر الأبدى على العبد بالنعم السابقة؛ بل أولى، واللازم ممتنع.

وبيان الملازمة: أن عبادة العباد مع الآباد. لا توازى نعم الله- تعالى عليهم في دار التكليف ساعة من نهار فإذا جاز بمقتضى العقل إيجاب الثّواب الأبدى على الله- تعالى- بطاعة العبد، مع كونها واجبة شكرا لما أنعم الله به عليه ابتداءً؛ فالقول بإيجاب الشّكر الأبدى لله- تعالى- على العبد بما أنعم الله تعالى- عليه به أولى، واللازم ممتنع؛ لما فيه في لزوم التكليف في دار الخلود؛ وهو محال.

(1) انظر ما سبق ل 186/ أ وما بعدها.

(2) راجع ما سبق في الجزء الأول ل 174، ب وما بعدها.

(3) قارن بما ورد في الإرشاد للجوينى ص 321، وشرح المقاصد للتفتازانى 2/ 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت