فهرس الكتاب

الصفحة 1765 من 2175

وكل ذلك فمضاد ومانع يمنعها من تمام الالتذاذ بحصول كمالها. فإذا زال ذلك المانع، حصلت اللذة التامة، والسعادة الدائمة التى لا يشاكلها شيء من أنواع الملاذ فيكون حالها بالنسبة إلى اللذتين كنسبة اللذة الحاصلة بأكل الشيء الحلو للمريض بالنسبة إلى لذة أكله بعد الصحة، وزوال المانع.

وهذه اللذة العظيمة وإن لم يدركها في حالة مقارنة البدن على ما هى عليه ولا يتشوقها غاية التشويق؛ لكونها مشغولة بعوائق البدن؛ لكنا نقطع بوجودها فحالنا بالنسبة إليها كحال الأكمه «1» بالنسبة إلى الالتذاذ برؤية الصور الجملية، فإنه يقطع بها وإن لم يكن حاله في التشوّق إليها كحال من عرفها بالنظر إليها وكحال عنين بالنسبة إلى لذة الجماع؛ لكن هذه اللذة العظيمة إنما هى لمن استكملت نفسه بالعلوم، وحصلت لها كمالاتها في الدنيا «2» ، وكانت متجردة عن الأمور الدنيوية.

الحالة الثانية: أن تكون قد حصلت ما لها من الكمالات في الدنيا؛ لكنها مع ذلك ظالمة، فاجرة، مشتغلة بالرزائل، والشهوات البهيمية، فبعد المفارقة «11» // وإن حصلت لها اللذة بما لها من كمالها، فما استقر فيها من صور تلك الأمور الدنيوية، يجذبها إلى الملأ الأسفل، وما حصل في جوهرها من الكمالات، يجذبها إلى الملأ الأعلى، فيحصل لها بسبب هذا التجاذب والتضاد، ألم عظيم؛ لكنه لا يدوم؛ لكون النفس كاملة في جوهرها وأن تلك الأمور الأخر عارضة، والعارض قد يزول/ على طول الزمان، وعلى حسب رسوخ تلك الهيئات العارضة في النفس يكون بعد زوال هذا العذاب والألم، وما مثل هذه النفس تسمى المؤمنة الفاسقة «3» .

الحالة الثالثة: أن لا تكون النفس قد حصل لها شيء من الكمالات؛ لكنها مع ذلك زكية طاهرة مشتغلة عن الرذائل، والشهوات، بالنسك والعبادات: كأنفس الزهاد والصلحاء من العامة؛ فغير بعيد أن تنتقل نفوسهم بعد المفارقة إلى جرم فلكى يتخيل به صور ما كانت تسمعه في دار الدنيا من أنواع الملاذ من المأكولات، والمشروبات، والمنكوحات على نحو ما كانت تتخيل بالحواس الباطنة حالة المقارنة.

(1) قارن ما ذكره الآمدي عن الأكمه، والعنين بما ذكره ابن سينا في الإشارات 3/ 762، والنجاة ص 292. وبما ذكره الغزالى في معارج القدس ص 126 وما بعدها والمقصد الأسنى ص 26.

(2) قارن بما ورد في غاية المرام ص 269، وبما ورد في تهافت الفلاسفة للإمام الغزالى ص 283.

(11) // أول ل 116/ ب.

(3) راجع ما ورد في تهافت الفلاسفة ص 286، ومعارج القدس للإمام الغزالى ص 132، وقارن بما ورد في غاية المرام ص 270.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت