فهرس الكتاب

الصفحة 1613 من 2175

الثانى: هو أن الحرب مع ما تشتمل عليه من مقاسات الشدائد، وممارسة الأهوال، وبذل المهج والأموال، واحتمال الخطر، وعدم الظفر غير مبطلة لحجته، والآية الدالة على صدقه في دعوته، واجتماع الناس على كلمته، واعتقادهم صدق مقالته، بخلاف معارضة كلام بكلام ولا سيما في حق بلغاء العرب الذين صفت قرائحهم، وتدفقت ينابيع بلاغتهم؛ فلا يتصور في حقهم العدول في تحصيل غرضهم، ودفع الضرر عنهم من المعارضة بالكلام مع القدرة عليه، إلى ما هو أشدّ منه، وأقلّ افضاء إلى تحصيل مقصودهم. كيف وهو على خلاف المألوف «11» // المعروف من عادة العقلاء، وأهل العرف في العدول عن معارضة من تحدّى بأمر إلى مقابلته، ومخاصمته.

قولهم: يحتمل أن يكون عدولهم عن المعارضة خوفا من استرابة بعض الناس في الاعجاز، عنه جوابان:-

الأول: أن مراتب البلاغة معلومة لأرباب الألباب مضبوطة عند ذوى الآداب، والمقصود من المعارضة ليس إلا تحقق المماثلة عند صدور أهل الأدب، وبلغاء العرب، لا عند الهمج الرعاع، ومن هو معدود من الحثالة والأتباع، فلو كانوا قادرين على المعارضة؛ لأتوا بها نظرا إلي حصول هذا المقصود بالنسبة إلى بلغاء العرب. إذ هو غاية المطلوب من المعارضة، وما كلّفوا به. وسواء حصل اللبس عند من لا يؤبه له، أم لا.

كيف وأن أطراف الناس، ومن لا حظ له من المعرفة تبع لأشرافهم فإذا رأوا تصميم الأشراف على الحكم بالمماثلة، كانوا تبعا لهم في ذلك؛ فلا يحصل لهم الاسترابة في تفضيل القرآن.

الثانى: أن العادة جارية في مثل هذه الأمور بالمبادرة إلى المعارضة على ما قررناه، وبتقدير الإتيان/ بالمعارضة غايته وقوع الاسترابة لبعض الناس في تفضيل القرآن دون البعض، وبتقدير أن لا يعارض فعجزهم يكون ظاهرا بالنسبة إلى كل أحد نظرا إلى مقتضى العادة والعاقل لا يهرب من أدنى المحذورين، ويقع في أعلاهما.

(11) // أول ل 91/ أ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت