فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 2175

وإن كان الثانى: فهى غير بديهية؛ إذ لا معنى للبديهى؛ إلا ما لا يتوقف «1» العقل في تعقله على «1» أمر خارج عنه.

الثانى: أنّ البديهيات من المعقولات، والمعقولات فرع المحسوسات، ومنتزعة منها؛ ولهذا قيل: إنّ من فقد/ حسا؛ فقد فقد علما. وقد ذهب جمع من العقلاء: إلى أن المحسوسات غير يقينية، فما هو متفرع عليها؛ أولى أن لا يكون يقينيا.

وبيان أنها غير يقينيّة: ما نشاهده من القطرة النازلة؛ «2» خطا مستقيما «2» ، والنّار في رأس العود الدائر بسرعة؛ دائرة متصلة، والصغير كبيرا: كالنار البعيدة في الظّلمة، والكبير صغيرا: كالمرئيّات من بعد، والمتحرك ساكنا: كالكواكب، والساكن متحركا:

كالأشياء التى يراها راكب السفينة على الشطوط، والمتحرك إلى جهة، وهو متحرك إلى خلافها: كحركة القمر في الغيم، والمعدوم موجودا: كالمرئى في المرايا من الصّور، والألوان المختلفة: كقوس قزح، وما يشاهده النّائم في منامه، وصاحب الرسّام من الصّور التى لا وجود لها. إلى غير ذلك.

وهذا كله مما يدل على غلط المحس، فما هو متفرع عليه، كيف يكون يقينيا؟

الثالث: هو أن أجلى البديهيّات: الحكم بأن لا واسطة بين النفي والإثبات، وهو غير يقينى؛ فما دونه أولى أن لا يكون يقينيا. وبيانه: أن التصديق بهذه القضية؛ متوقّف على تصوّر مفرداتها، وهما النفي والإثبات، والنّفي غير بديهى التّصور؛ ولذلك وقع الاختلاف بين العقلاء في تصوّره؛ فما هو متفرّع عليه؛ أولى أن لا يكون بديهيا.

الرابع: هو أنا قد نجد أنفسنا جازمة بقضايا على نحو جزمنا بالبديهيات، والجزم بها غير جائز: كجزمنا بأنّ ما شاهدناه من ماء البحر باق بحاله مع جواز إعدامه، أو قلبه دما عبيطا «3» ، أو غير ذلك، وكجزمنا بأن ما شاهدناه مرة بعد مرة: أنّه عين المرئى أولا.

مع جواز إعدام الأول وخلق مثله، وكالذى يجزم قضيته بناء على دليلها جزما لا يرتاب

(1) في ب (الأمر في تعقله إلى) .

(2) في ب (مستشما) .

(3) (دم عبيط) طرىّ خالص لا خلط فيه (المصباح المنير: باب العين فصل الباء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت