وكان «أبو الدرداء - رضي الله عنه - إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريفًا، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفه، فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء يسأله عن ذلك» [1] .
وكان هذا التعليم - من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام رضي الله عنهم - مجانيًا من غير مقابل، ولعل مدرسة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي المدرسة الأولى التي رفعت شعار مجانية التعليم، وشعار إلزامية التعليم والتعلم. ولم يبق الأمر شعارًا بل نزل إلى ساحة التطبيق والتنفيذ [2] .
قال النووي رحمه الله [3] : «تعليم المتعلمين فرض كفاية، فإن لم يكن من يصلح له إلا واحد تعين عليه، وإن كان هناك جماعة يحصل التعليم ببعضهم: فإن امتنعوا كلهم أثموا، وإن قام به بعضهم سقط الحرج عن الباقين، وإن طُلب من أحدهم وامتنع فأظهر الوجهين، أنه لا يأثم لكن يكره له ذلك إن لم يكن له عذر» .
ومع ترغيبه - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على تعليم القرآن، كان يحثهم على الإخلاص في هذا التعليم: فعن سهل بن سعد الساعدي، - رضي الله عنه - قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا، ونحن نقترئ فقال: «الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض وفيكم الأسود، اقرؤوه قبل أن يقرأه
(1) معرفة القراء الكبار، للذهبي (1/ 41) .
(2) انظر: يعلمهم الكتاب، (ص 76 - 80) .
(3) التبيان في آداب حملة القرآن، (ص 56) .