بدون الدنيا، ولا يعرف الجماعة بدون الفرد، ولا الفرد بدون الجماعة، فالفرد جزء وعضو، والجماعة كل وجسد، وليس للجسد دون الروح، ولا للعقل مجردًا عن العاطفة، إنه تشريع كامل وشامل وعظيم، يسلك مسلك الموازنة بين المصالح الدينية والمنافع الدنيوية.
وقد جاء في تقرير ذلك- رعاية مصالح الدنيا والآخرة- قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77] . قال قتادة [1] : معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك [2] .
ولذلك نلحظ أن النصوص التشريعية لم ترد مجرد أوامر جافة، بل خاطبت في الإنسان قلبه ولبه وأحاسيسه، وحركت كوامن الإيمان فيه من مثل: إن كنتم مؤمنين، لعلكم تتقون، لعلكم تذكرون، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ... إلخ.
فمثل هذا الخطاب يذكي جذوة الإيمان في نفس المسلم، فيكون أدعى للاستجابة وأقرب للالتزام والانضباط.
وهذا بخلاف القوانين الوضعية التي لا ترتكز على دعائم من الإيمان في جوهرها، ولا تراعي أحاسيس الإنسان ومشاعره في أسلوبها، فهي مجرد أوامر ونواه جافة، تكتفي بعلاج الظاهر، والحديث عن الدنيا فقط، على
(1) هو التابعي الجليل (أبو الخطاب) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز الدوسي، البصري، الضرير الأكمه، المفسر، كان رأسًا في العربية واللغة وأيام العرب والنسب، كان أحفظ الناس، لا يسمع شيئًا إلا حفظه، وله تفسير، توفي بواسط في الطاعون سنة (117 ه) .
«انظر: تذكرة الحفاظ، (1/ 112) . طبقات المفسرين، (2/ 47» .
(2) انظر: تفسير القرطبي، (3/ 326) .