ورغم أن هذه المشاق مقدورة للمكلف، إلا أن الشارع الحكيم زين تكاليف الشرع بزينة رفع الحرج والمشقة، حتى تحبها النفوس، وتقبل على العمل بها دون كلل أو ملل، المفضي إلى الانقطاع.
ورفع الحرج من سنة الأنبياء جميعًا، قال الله تعالى: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ} ] الأحزاب: 38 [. «أي هذا حكم الله في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج"[1] ."
ومن أهل التأويل من اعتبر قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ] البقرة:86 [. دليلًا على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في شرائع الله جميعًا، لعموم لفظ: {نَفْسًا} ، التي وردت في سياق النفي، لأن الله تعالى ما شرع التكليف إلا للعمل واستقامة أحوال الخلق، فلا يكلفهم ما لا يطيقون فعله[2] .
إذًا فالسماحة واليسر من أبرز أوصاف شريعة القرآن العظيم، فقد قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العسر} ] لبقرة: 185 [. وقال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} ] المائدة: 6 [. ومن دعاء المؤمنين ماحكاه الله تعالى بقوله: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ] البقرة: 286 [.
والحكمة في سماحة شريعة القرآن العظيم: «أن الله جعل هذه الشريعة دين الفطرة. وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلة، فهي كائنة في النفوس، سهل عليها قبولها. ومن الفطرة النفور من الشدة والإعنات، قال تعالى: يُرِيدُ
(1) تفسير ابن كثير، (6/ 448) .
(2) انظر: التحرير والتنوير، (2/ 597) .