فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 682

بل كلُّ منطبق بليغ مهما تفوق في البلاغة والبيان، تجده بين هاتين الغايتين، كالزوج بين ضرتين: بمقدار ما يرضي إحداهما يغضب الأخرى؛ فإن ألقى البليغ باله إلى القصد في اللفظ وتخليصه مما عسى أن يكون من الفضول فيه، حمله ذلك في الغالب على أن يغض من شأن المعنى، فتجيء صورته ناقصة خفية، ربما يصل اللفظ معها إلى حد الألغاز والتعمية؛ وإذا ألقى البليغ باله إلى الوفاء بالمعنى وتجلية صورته كاملة، حمله ذلك على أن يخرج على حد القصد في اللفظ، راكبًا متن الإسهاب والإكثار، حرصًا على ألا يفوته شيء من المعنى الذي يقصده» [1] .

ومهما أوتي هذا البليغ من البلاغة، فإنه يستطيع أن يجمع بين هذين الأمرين (الإيجاز اللفظي، والوفاء بالمعنى) أحيانًا في جمل قليلة، لكن سيبدو عليه القصور بعد ذلك، وينفلت من يده زمام الكلام، وتستعصي عليه الجمل والعبارات.

ومن كان في شك من ذلك فليسأل علماء البيان وصيارفته: «هل ظفرتم بقطعة من النثر، أو بقصيدة من الشعر، كانت كلها أو أكثرها جامعًا بين وفاء المعنى وقصد اللفظ؟.

ها هم أولاء يعلنون حكمهم صريحًا بأن أبرع الشعراء لم يكتب له التبريز والإجادة، والجمع بين المعنى الناصع واللفظ الجامع إلا في أبيات معدودة من قصائد محدودة، أما سائر شعرهم بعد، فبين متوسط ورديء، وها هم أولاء يعلنون حكمهم هذا نفسه أو أقل منه، على الناثرين من الخطباء والكتاب» [2] .

(1) مناهل العرفان في علوم القرآن، (2/ 297) ،

(2) المصدر نفسه، (2/ 297 - 298) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت