وإنَّ تحولًا هائلًا وقع في الأرض بنزول هذا القرآن العظيم، صارت معه قافلة الحياة على هدى ونور، ونشطت مع فجره نفوسٌ لَبَّت نداء الله تعالى فأحياها وجعل لها نورًا تمشي به بين الناس: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} ] الأنعام: 122 [. وبقي القرآن للحياة بقاء النُّور في الكون لا يتوقف مَدُّهُ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
والقرآن العظيم هو كتاب الهداية، ولغة الحياة، وقصَّة الكون الصَّادقة من بدايته إلى نهايته، بل هو تجديدٌ لميلاد الإنسان على اختلاف الحِقَب وتوالي الأجيال، ومرور الدُّهور والعصور، نزل لمخاطبة النَّفس البشرية والأخذ بيدها، فهو معها آمرًا وناهيًا، مُرشدًا وواعظًا، مُبشرًِّا ومنذرًا، حارسًا ومُدافعًا، مُصبرًا ومسلِّيًا، مُعلِّمًا وموجِّهًا، سميرًا وجليسًا، صديقًا وأنيسًا، فهو الحياة في سموِّها، والسَّعادة في أوجها، والكمال في أسمى معانيه، فلقد بلغ الغايةَ التي لا تدانيها غاية، في الرِّفعة والعلو، والخلود والسُّمو، فما أبدع تراكيبه، وأروع أساليبه، وأسمى معانيه.
والقرآن العظيم كذلك قبسٌ من الهدى والنُّور، نزل به جبريلُ عليه السَّلام من السَّماء إلى الأرض على سيِّد الخلق وأشرف الرُّسل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فبلَّغه للنَّاس، وأذاع أخلاقَه ومثاليَّاته في كلِّ مكان، وبذلك نُشرت صفحاتٌ جديدةٌ مشرقة ناضرة في تاريخ الإنسانية، وكان لها من وراء ذلك ميلادُ حضارة جديدة.
إنَّه ألفاظٌ إذا اشتدَّت فأمواج البحار الزَّاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، ومتى وعدت من كرم الله تعالى جعلت الثُّغور تضحك في وجه الغيوب، وإن أوعدت بعذاب جعلت الألسنة ترعد من حُمَّى القلوب، قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ