وقال مكيٌّ - بعد أن حكى أنها بدلُ اشتمالٍ -: ويجوز أن يكون فِي موضع نَصْب، على معنى: بأن لا وهذا - هو بعينه - وجه البدل المتقدّم، غاية ما فِي الباب أنه أعاد مع البدل العامل فِي تقديره اللهُمّ إلا أن يعني أنها - وإن كانت بدلاً من"الذين"- ليست فِي محل جَرٍّ، بل فِي محل نَصْبٍ، لأنها سقطت منها الباء؛ فإن الأصل: بان لا، وإذا حُذِف منها حرفُ الجرِ كانت فِي محل نصبٍ على رأي سيبويه والفرَّاء - وهو بعيدٌ.
قوله: {وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ} قرأ الكِسائيُّ بِكَسْرِ"أن"على الاستئنافِ.
وقال الزمخشري: إن قراءة الكسرِ اعتراضٌ.
واستشكلَ كونها اعتراضاً؛ لأنها لم تقع بين شيئن متلازمين.
ويمكن أن يُجاب عنه بأن"الذين استجابوا"يجوز أن يكون تابعاً لـ"الذين لم يلحقوا"- نعتاً، أو بدلاً، على ما سيأتي - فعلى هذا لا يتصور الاعتراض.
ويؤيدُ كونها الاستئناف قراءةُ عبد الله ومصحفُه: والله لا يضيع، وقرأ باقي السبعةِ بالفتحِ؛ عَطْفاً على قوله:"بنعمة"لأنها بتأويل مصدر، أي: يستبشرون بنعمةٍ من الله وفضل منه وعدم إضاعةِ الله أجْرَ المؤمنين.
فإن قيل: لم قال:"يستبشرون"من غير عطف؟
فالجوابُ فيه أوجهٌ:
أحدها: أنه استئنافٌ متعلِّقٌ بهم أنفسهم، دون"الذين لم يلحقوا بهم"لاختلافِ متعلِّقٍ البشارتين.
الثاني: أنه تأكيدٌ الأولِ؛ لأنه قصد بالنعمة والفضل مُتَعَلِّقِ الاستبشارِ الأولِ، وإليهِ ذَهَبَ الزمخشري.
الثالثُ: أنه بدلٌ من الفعل الأول، ومعنى كونه بدلاً: أنه لما كان متعلقه بياناً لمتعلق الأول حَسُن أن يقال: بدل منه، وإلا فكيف يبدل فعلٌ من فعل موافقٍ له لفظاً ومعنًى؟ وهذا فِي المعنى يئول إلى وجه التأكيد.