أما ما صح عنه صلى الله عليه وسلم في فضل التعبد لله، فهو التسمي بعبدالله وعبدالرحمن: حدثني إبراهيم بن زياد وهو الملقب بسبلان أخبرنا عباد بن عباد عن عبيدالله بن عمر وأخيه عبدالله سمعه منهما سنة أربع أربعين ومائة يحدثان عن نافع عن بن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ أحَبَّ أسْمائكُمْ إلى اللّه عبدالله، وَعبدالرحمن" [16] .
وقد خص الله تعالى الاسمين"عبدالله وعبدالرحمن"في القرآن الكريم بإضافة العبودية إليهما دون سائر أسمائه الحسنى، الأول في قوله:"وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عبدالله يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا" [17] ، والثاني في قوله سبحانه:"وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا" [18] ، والثالث حين جمع بينهما في قوله تعالى:"قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسماء الْحُسْنَى" [19] .
ولا غرابة في نهيه صلى الله عليه وسلم عن التسمي باسمه الكريم والحض على التسمي بعبدالله، إذ كان صلى الله عليه وسلم أكمل البشر في كافة الجوانب البشرية، كما كان أكملهم عبودية لربه وقيامًا بحقه، وكماله يكمن في عبوديته التامة لربه عز وجل؛ فمنزلة العبودية لله هي أرقى درجات الكمال البشري، لأن الله إنما خلق الخلق لعبادته، وأكمل الخلق قيامًا بهذا الأمر وأتمهم لله عبودية هو رسولنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم الذي قام بحق هذه العبودية ودعا الناس إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، وأخرجهم من عبودية العباد إلى عبودية الواحد القهار، فكانت العبودية أشرف صفاته - صلى الله عليه وسلم - والبشرية هى عين إعجازه، فهو بشر من جنس البشر لكنه متميز عنهم بما لا يلحقه به أحد منهم أو يساويه، فمن حرصه على التعبد لله، كان حبه حتى في التسمي بما يُذَكِر بتلك العبودية الحبيبة إلى قلبه، والتي لا تخرجه من البشرية حتى ولو بالتسمي باسمه مخافة مما آلت إليه الأمم السابقة من تأليه أنبيائها، فكان يقطع صلى الله عليه وسلم على أمته كل ما يؤدي إلى ذلك، حرصًا عليها وشفقةً بها [20] .