فخصوم الإسلام يعصون الله بسوء معاملتهم للمسلمين ، لكنْ المسلمون يردون على سوء المعاملة بحسن المعاملة ، وساعة يرى خصوم الإسلام أن كيدهم لا يحقق هدفه فإنهم يقعون فِي بئر وحمأة الغيظ. وعندما يخلون الكافرون لأنفسهم فأول أعمالهم هو عض الأصابع من الغيظ ، وهو كما أوضحت نتيجة الانفعال القسري التابع للغضب والعجز عن تحقيق المأرب ؛ ذلك أن كل تأثير إدراكي فِي النفس البشرية إنما يطرق مجالا وجدانيا فيها.
والمجال الوجداني لا بد أن يعبر عن نفسه بعملية نزوعية تظهر بالحركة ؛ فالإنسان عندما يسبب لواحد يعرفه لونا من الغضب فهو ينفعل بسرعة ويثور بالكلمات ، هذا دليل على طيبة الإنسان الغاضب. أمَّا الذي لا يظهر انفعاله فيجب الحذر منه ؛ لأنه يخزن انفعالاته ، ويسيطر عليها ، فلا تعرف متى تظهر ولا على أية صورة تبدو ؛ ولذلك يقول الأثر:"اتقوا غيظ الحليم"فعندما تتجمع انفعالات جديدة فوق انفعالات قديمة متراكمة فِي قلب الحليم فلا أحد يعرف متى يفيض به الكيل.
إذن فالإدراك ينشأ عنه وجدان ، فينفعل الإنسان بالنزوع الحركي. والتشريع الإسلامي لا يريد من الإنسان أن يكون حجرا أصم لا ينفعل ، لكنه يطلب من المسلم أن ينفعل انفعالا مهذبا ؛ ولذلك يضع الحق للمؤمن منهجا ، فيقول سبحانه:
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]
إن القرآن يعترف بأن هناك من الأحداث ما يستدعي غيظ الإنسان ، والذي لا يغضب على الإطلاق إنما يسلك طريقا لا يتوافق مع طبيعة البشر السوية ، والله يريد من الإنسان أن يكون إنساناً ، له عواطفه وشعوره وانفعالاته ، ولكن الله المربي الحق يهذب انفعالات هذا الإنسان ، ولنا فِي النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة ، فحين مات ولده إبراهيم: