ونحن نرى ذلك فِي المجتمعات التي وصلت إلى أرقى حياة اقتصادية وأمورهم المادية ميسرة كلها ، فالشيخوخة مُؤَمَّنة ، وكذلك التأمينات الصحية والاجتماعية ، ودخل الإنسان مرتفع ، لكنهم مع ذلك يعيشون فِي تعب ، وترتفع بينهم نسبة الانتحار ، وينتشر بينهم الشذوذ ، والسبب وراء كل ذلك هو أن ملكاتهم النفسية غير منسجمة ، وسلام الملكات النفسية لا يتحقق إلا عندما يؤمن الإنسان ، ويطبق تعاليم ما يؤمن به. فالرجل - على سبيل المثال - حين ينظر إلى حلاله ، أي زوجته ، ينظر إليها براحة ويشعر باطمئنان ؛ لأن ملكاته النفسية منسجمة ، أما عندما تتجه عيناه إلى امرأة ليست زوجته ، فإنه يراقب كل من حوله حتى يعرف هل هناك من يراه أو لا ؟ وهل ضبطه أحد أولا ؟ وعندما يضبطه أحد فهو يفزع وتتخبط ملكاته.
لذلك يحذر الحق سبحانه المؤمنين: إياكم من البطانة من غير المؤمنين ، لأنهم لايقصرون أبدا ولا يتركون جهدا من الجهود إلا وهم يحاولون فيه أن يدخلوكم فِي مشقة. والمشقة إنما تنشأ من أن الكافر يحاول أن يجذب المؤمن إلى الانحراف والاضطراب النفسي وتشتت الملكات مستغلا القرابة والصداقة ، مطالبا أن يرضيه المؤمن بما يخالف الدين ، ولا يستطيع المؤمن التوفيق بين ما يطلبه الدين وما يطلبه الكافر ؛ لذلك تنقسم ملكات المؤمن ويحس بالمشقة. والكافرون لا يتركون أي فرصة تأتي بالفساد للمؤمنين إلا انتهزوها واغتنموها.
وما دامت البغضاء قد بدت من أفواههم فكيف نتخذهم بطانة ؟ إنك حين تصنع لنفسك جماعة من غير المؤمنين ، فإنها تضم بعضا من المنافقين غير المنسجمين مع أنفسهم. والمنافق له لسان يظهر خلاف ما يبطن. وعندما يذهب المنافق إلى غير المؤمنين فإن لسان المنافق ينقل بالسخرية كلام المؤمن.