فأنت ساعة أن تتقي الله فِي الحكم ، يعطيك العلة ، ويعطيك راحة الإيمان ، إنك أيها العبد لا تسأل أولا عن الاقتناع بالعلة حتى تنفذ حكما لله ، لأن الحق سبحانه قد يؤجل بعض حيثيات الأحكام لخلقه قرونا طويلة ، ومثال ذلك أننا ظللنا لا نعرف علة حكم من الأحكام لمدة أربعة عشر قرنا من الزمان مثل تحريم أكل لحم الخنزير ، فهل كان على العباد المؤمنين أن يؤجلوا أكل لحم الخنزير أربعة عشر قرنا إلى أن يمتلكوا معامل للتحليل حتى نعرف المضار التي فيه ؟ تلك المضار التي ثبتت معمليا.. لا.
إن العباد المؤمنين لم يؤجلوا تنفيذ الحكم ، ولكنهم نفذوه ، واكتشف أحفاد الأحفاد أن فيه ضرراً ، وهذا يدفعنا إلى تنفيذ كل حكم لا نعرف له علة ، إن هذا الحكم له حكمة عند الله قد لا يستطيع عقل الإنسان أن يفهمها ، ولكن ستأتي أشياء توضح بعض الأحكام فيما لم يكن يعرفه الإنسان ، وتعطينا تلك الإيضاحات الثقة فِي كل حكم لا تعرف له علة ، وتصبح علة كل حكم هي: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} .
إن الحق بهذا القول ينادي كل عبد من عباده: يا من آمنت بي إلها خذ مني هذا التكليف. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - عندما يقول الطبيب: يا من صدقت أني طبيب لمرضك خذ هذا الدواء وستشفى بإذن الله.
وعندما يزور الإنسان مريضا ويسأله: لماذا تأخذ هذا الدواء ؟ فالمريض يجيب: لقد كتب الطبيب لي هذا الدواء ، فما بالنا بتنفيذ أحكام الله ؟ إنه يجب أن ننفذها لأن الله قالها ، ولذلك فالعاقلون بعمق وجدية يختلفون عن مُدعى العقل بسطحية ، هؤلاء العاقلون الجادون يقولون: إن هذا العقل مطية يوصلك إلى باب السلطان ولكن لا يدخل معك عليه. فكأن العقل يوصلك إلى أن تؤمن بالله ، ولكنه لا يحشر نفسه فيما ليس له قدرة عليه.