إن كنت تريد أن تعلم عن الله حكما كلفك الله به دون أن تعلم علته فاتق الله فيه ، وحين تتقي الله فِي هذا الأمر ، فإنك تجد الحكمة مستنيرة فِي ذهنك ، ولذلك يقول الله:
{وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] .
فكأنك قبل التقوى لم يعلمك الله ، أما بعد التقوى فإن الله يعلمك ، فتقبل على تنفيذ التكليف لتلمس إشارة فِي نورانية نفسك ، وهذا هو الفارق بين الأمر من المساوى ، والأمر من الأعلى. وعندما ترتقي كلمة"الأعلى"، فإنها لا تنطبق إلا على الأعلى المطلق وهو الله ، لأنه الأعلى فِي الحكمة ، والأعلى فِي المنزلة ، والأعلى فِي المكانة ، والأعلى فِي الربوبية.
إذن ، فالإنسان لا يطلب علة حكم إلا من مساو له ، فإن قال لك أحد من البشر: افعل الشيء الفلاني. فإنك تسأله: لماذا ؟ فإن أقنعك ، فأنت تقوم بالفعل. وتكون قد قمت بتنفيذ هذا الفعل ؛ لأن المساوى لك قد أقنعك بالحكمة لا بالطاعة له.
ولكن عندما يصدر الأمر من الأعلى وهو الحق سبحانه وتعالى ، فإنك أيها العبد المؤمن تنفذ الأمر فورا عشقا فِي طاعته. والمثال الذي أضربه للتقريب لا للتشبيه ، فالله الأعلى ، وهو منزه عن كل شبيه ، إن الأب يقول للابن فِي حياتنا اليومية: إن نجحت فِي المدرسة فسأحضر لك هدية هي الدَّراجة. فهل معنى ذلك أن علة الذهاب إلى المدرسة هي الحصول على الدراجة كهدية ؟ لا ، ليست هذه هي العلة ، إن العلة عند الأب هي أن يتعلم الابن ويتفوق فِي حياته ، ويكبر ، وعند ذلك يدرك العلة ، ويقول لنفسه: لقد كان أبي على حق.
إذا كان هذا يحدث فِي الحياة بيننا نحن البشر ، فكيف لنا بطاعة الأمر الصادر من الله ؟ إن الحق سبحانه وتعالى حين يكلف العبد تكليفاً ، فإن العبد قد يجد مشقة فِي فهم العلة. والعبد المؤمن يعرف أن الرضوخ لتكليف الحق إنما هو خضوع للأمر الأعلى.