فيجوز أن يراد بالموت في هذه الآية: ضد الاهتزاز الذي وُصِفَت به عند نزول الماء، ولما سَمّى ذلك موتًا سمّى إِزالتَها إحياءً ليتجانس اللفظ.
وقوله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} البثُّ: النشر والتفريق، ومنه قوله تعالى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1] ، ومنه: {كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} [القارعة: 4] ، ويقال: بثثته سِرِّي أبثثته، إذا أطلعته عليه؛ لأنك فرقت بين سرّك وبينك، ويقال للحزن: بَثٌ؛ لأن صاحبَه لا يصبر عليه حتى يظهره.
وقوله تعالى: {مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} قال ابن عباس: يريد: كلّ ما دبّ على الأرض من جميع الخلق، من الناس وغيرهم.
وقوله تعالى: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} أراد: وتصريفه الرياح، فأضاف المصدر إلى المفعول، وهو كثير. والرياح: جمع الريح.
قال أبو علي: الريح: اسم على فعل، والعين منه واو، انقلبت في الواحد للكسرة، فأما في الجمع القليل: أرواح، فصحّت؛ لأنه لا شيء فيه يوجب الإعلال، ألا ترى أن سكون الراء لا يوجب إعلال هذه الواو في نحو: قوم، وعون، وقول. وفي الجمع الكثير: رياح، انقلبت الواو ياء؛ للكسرة التي قبلها، نحو: ديمة ودِيَم، وحِيلَة وحِيَل.
وقال ابن الأنباري: إنما سميت الريح ريحًا؛ لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالرَّوح والرَّاحة، وانقطاعُ هبوبها يُكسِبُ الكربَ والغَمّ، فهي مأخوذة من الروح. وأصلها: رِوْح، فصارت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، كما فعلوا في الميزان والميعاد والعيد، والدليل على أن أصلها الواو: قولهم في الجمع: أرواح.
قال زهير:
قِفْ بالديار التي لم يعفُها القدمُ ... بلى وغيَّرَها الأرواحُ والدِيَمُ
ويقال: رِحْتُ الريح أَراحُها، وأُرحتُها أرِيحُها: إذا وجدتها، ومنه الحديث:"من استُرعي رعيةً فلم يَحُطهم بنصيحة، لم يُرِحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحَها لتوجد من مسيرة مائة عام".