وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ"لَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَالْآيَةُ الْأُخْرَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ} هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتِهِ وَأَمْرِ دِينِهِ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ بَعْدِمَا بَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ، يَلْعَنُهُمْ بِكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ وَتَرْكِهِمْ تَبْيِينَهُ لِلنَّاسِ. وَاللَّعْنَةُ الْفَعْلَةُ، مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ بِمَعْنَى: أَقْصَاهُ وَأَبْعَدَهُ، وَأَسْحَقَهُ. وَأَصْلُ اللَّعْنِ: الطَّرْدُ، كَمَا قَالَ الشَّمَّاخُ بْنُ ضِرَارٍ، وَذَكَرَ مَاءً وَرَدَ عَلَيْهِ:
[البحر الوافر]
ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ... مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ
يَعْنِي مَقَامَ الذِّئْبِ الطَّرِيدِ. وَاللَّعِينُ مَنْ نَعَتَ الذِّئْبَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَقَامَ
الذِّئْبِ الطَّرِيدِ وَاللَّعِينِ كَالرَّجُلِ. فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا: أُولَئِكَ يُبْعِدُهُمُ اللَّهُ مِنْهُ وَمِنْ رَحْمَتِهِ، وَيَسْأَلُ رَبَّهُمُ اللَّاعِنُونَ أَنْ يَلْعَنُهُمُ؛ لِأَنَّ لَعْنَةَ بَنِي آدَمَ وَسَائِرِ خَلْقِ اللَّهِ مَا لُعِنُوا أَنْ يَقُولُوا: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، إِذْ كَانَ مَعْنَى اللَّعْنِ هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْإِقْصَاءِ وَالْإِبْعَادِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ لَعْنَةَ اللَّاعِنَيْنِ هِيَ مَا وَصَفْنَا: مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ رَبَّهُمْ أَنْ يَلْعَنَهُمْ، وَقَوْلُهُمْ: لَعَنَهُ اللَّهُ، أَوْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ؛
[لما روي] عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} الْبَهَائِمُ، قَالَ إِذَا أَسْنَتَتِ السَّنَةُ، قَالَتِ الْبَهَائِمُ: هَذَا مِنْ أَجْلِ عُصَاةِ بَنِي آدَمَ، لَعَنَ اللَّهُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ""
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِاللَّاعِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ دَوَابَّ الْأَرْضِ وَهَوَامَّهَا