فلما مضت أربعون ليلة على هذا الإبعاد ، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يصعد التأديب فيطلب من الرجال الثلاثة - من خلال رسول أرسله إليهم - ألا يقربوا نساءهم. لقد دخل العزل إلى دائرة جديدة وهي دائرة المجتمع الخاص حيث الرجل وامرأته ، فقال كعب لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أطلق زوجتي"؟. قال الرسول:"بل لا تقربها". وقال قوم لكعب: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فلتذهب أمرأتك لتستأذنه فِي أن تظل معك لتخدمك ؛ فقد استأذنت امرأة هلال بن أمية رسول الله ؛ فأذن لها أن تخدم زوجها. فقال كعب: والله لا افعل ، لأن امرأة هلال حينما ذهبت إلى رسول الله قال لها:"لا يقربنك"فقالت:"يا رسول الله والله إن هلالا ما به حركة لشيء"فأذن لها أن تظل لتخدمه. لكني رجل شاب وأخاف أن استأذن رسول الله فلا يعطي هذا الحق. هكذا كان إبعاد التأديب ، وليس بالطرد الكامل من حظيرة الإيمان ، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل من يتلقون التأديب أهلا لأوامر يلقيها عليهم ، ثم جاءت البشرى بالإفراج بعد عشرة أيام عندما أنزل الحق قوله:
وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)
(سورة التوبة)
وهكذا لم يقفل الحق الباب بل جعله مفتوحا أمام الإنسان ، حتى لمن كفر ، وحتى لمن كتم ، فلا يظن أن سابق كفره أو تراخيه عن نصرة الحق سيغلق أمامه الباب ، أو يحول بينه وبين ربه.
لذلك يقول الحق:
إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)