أما في نبي الله يوسف اسوة ... لمثلك محبوس عن الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك
وقال علي بن الجهم لما حبسه المتوكل:
قالوا حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد
والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد
والنار في أحجارها مخبوءة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند
والحبس ما لم تغشه لدنيّة ... شنعاء نعم المنزل المتودّد
بيت يجدد للكريم كرامة ... ويزار فيه ولا يزور ويحمد
لو لم يكن في الحبس إلّا أنّه ... لا تستذلّك بالحجاب الأعبد
غرّ الليالي باديات عوّد ... والمال عارية يعار وينفد
ولكل حيّ معقب ولربما ... أجلى لك المكروه عمّا يحمد
لا يؤيسنك من تفرّج نكبة ... خطب رماك به الزمان الأنكد
كم من عليل قد تخطّاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعوّد
صبرا فإن اليوم يعقبه غد ... ويد الخلافة لا تطاولها يد
قال: وأنشد إسحاق الموصلي في إبراهيم بن المهدي حين حبس:
هي المقادير تجري في أعنّتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال
يوما تريك خسيس الأصل ترفعه ... إلى العلاء ويوما تخفض العالي
فما أمسى حتى وردت عليه الخلع السنية من المأمون رضي الله عنه، وقال إبراهيم بن عيسى الكاتب في إبراهيم بن المدني حين عزل.
ليهن أبا إسحاق أسباب نعمة ... مجددة بالعزل والعزل أنبل
شهدت لقد منّوا عليك وأحسنوا ... لأنك يوم العزل أعلى وأفضل
وقال آخر:
قد زاد ملك سليمان فعاوده ... والشمس تنحطّ في المجرى وترتفع
وقال أبو بكر الخوارزمي لمعزول: الحمد لله الذي ابتلى في الصغير وهو المال، وعافى في الكبير وهو الحال:
ولا عار إن زالت عن الحر نعمة ... ولكنّ عارا أن يزول التجمّل
وقيل: المال حظ ينقص ثم يزيد، وظل ينحسر ثم يعود. وسئل بزرجمهر عن حاله في نكبته فقال: عولت على أربعة أشياء: أولها أني قلت القضاء والقدر لا بد من جريانهما، الثاني: أني قلت إن لم أصبر فما أصنع، الثالث: أني قلت قد كان يجوز أن يكون أعظم من هذا، الرابع: أني قلت لعل الفرج قريب، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهى انتهى {المستطرف في كل فن مستظرف، للأبشيهي} ...